هل سيصبح في ليبيا أطفال شوارع؟  
العودة إلى الأخبار وتعليقات

هل سيصبح في ليبيا أطفال شوارع؟


كيف يمكن التعايش مع مشهد يجمع اطفالا متسولين وبرج انفقت عليه مئات الملايين من الدولارات

ميدل ايست اونلاين
طرابلس – من هالة المصراتي

ليبيا وهي تتأهب للانفتاح نحو العالم، تفتح ذراعيها وتعقد مئات الصفقات بملايين ملايير بلاييير الدولارات.
ليبيا وهي تتأهب لترشق جسد هذا الوطن بمئات الأبراج والمباني والمشاريع الضخمة.
ليبيا وهي تتأهب لاستقطاب الشركات وتفتح باب الاستثمارات والتعاون الخارجي على الصعيد المؤسساتي والدولي.
ليبيا وهي تنهي ملفاتها العالقة وتحسم أمورها المؤجلة وتعلن للعالم "ها أنا هنا بحلتي الجديدة."
ليبيا تنمو وتكبر وتزدهر وتتخلى عن مشاريعها النووية وتُرفع من قائمة الدولة المارقة لتصبح وطناً داعياً للسلام وتدافع عن حقوق الإنسان.

ولكن بعض الليبيين يبدوا أنهم عالقون تحت خط الفقر، عبثاُ يحاولون مد رؤوسهم ليشاهدوا هذا التغيير المنتظر ويعيشوه لحظة بلحظة، ولكن رقابهم القصيرة تخذلهم فيكتفون بامتطاء القعر حامدين ربهم شاكرين أن الهواء لا زال في ليبيا نقيا لا يباع في علب ولم ينتبه سماسرة الوطن إليه.

مقدمة بائسة لحديث بائس، لوضع بائس، البدايات تتعدد والنتيجة واحدة.

سنتحدث حديث الأماكن، فالأماكن موجودة والأشخاص عذراً تصحيح ما بين قوسين (حديثنا عن الأطفال) موجودون تتغير ملامحهم ويبقى شقائهم اليومي لقمة العيش المر على قولة اخوتنا المصريين "العَيش مرادف للعِيش" يعني الرغيف.

في دولة النفط قد يصعب على المرء أن يوفر قوت يومه، قد يعجز عن أن يعيش يومه دون حزن يثقل كاهله، دون مصاريف لا تنتهي ولا تأتي، تتعدد الأبواب فيطرقونها جميعاً.. وبمواربة تفتح لهم بعض الآمال، يعلقون عليها حلم العيش بالهناء دون شقاء.. دون أن يصبحوا عدما انسانيا، عبئا يثقل كاهل هذا المجتمع، وحشا ينمو.. يتجسد.. يتكون إلى أن يصبح كارثة، فجأة تكشر على أنيابها وتعلن نفسها فتصبح ظاهرة "أكل عيش" للباحثين وأزمة للمسؤولين فيبحثون عن مئات الحلول وينفقون ميزانية لا بأس بها من أجل القضاء على هذه الكارثة.

كل الظواهر تبدأ صغيرة بمسببات صغيرة تنتظر حلول صغيرة بميزانيات صغيرة بخطط صغيرة لا تحتاج لعقلية جبارة أو ميزانية ضخمة أو دراسات عدة من أجل الحد من نموها، تحتاج فقط للانتباه لها في بدئها ومعالجتها بالحد من نموها وبمراعاة أوضاع البشر وتحسينها قبل أن يفقدوا إنسانيتهم في معترك الحياة وهم يجاهدون من أجل العيش.

***

ونعود لحديث الأماكن، شواهد الحدث: طفل صغير لم يتجاوز عمره الخامسة من بين آخرين مثله، يستجديك شراء علبة ورق ناعم (كلينيكس) في موقف الإشارة الضوئية بين شارع عمر المختار وشارع جمال، اباغته بسؤالي: ليش تبيع بابا؟ تتسع عيناه لسؤال غير منتظر فيجيبني بتحفظ: هكي.

- شني يعني هكي ليش تبيع؟
- أنتِ بتشري مني ولا لا؟

أكتفي بالشراء والصمت على أن ابتاع كلماته القليلة، فلماذا أسأل وأحشر نفسي في هموم الآخرين، ما فائدة أن انبش في كوامنهم الداخلية. أنهم ممتلئون حد الوجع.

الطفل لن يتنازل عن طفولته إلا لو أثقلت الحاجة والعوز كاهله وكاهل أهله، لذا لا حاجة لأن يثرثر معي عن وجعه فحتى لو تحدث ربما كل ما سأفعله له منحه مجرد دنانير إضافية لن تغير واقعه ولن تجعل حاله أفضل والأهم "بنشري ولا لا؟" على حد تعبيره.

نمنحهم بعض الملاليم ونشعر بالرضا وراحة الضمير وننسى أنهم أطفال يقضون جل يومهم في الشارع، وماذا ننتظر من طفل لطخ براءته ونحرها فوق أرصفة الشوارع؟

تحت أقواس شوارع المدينة في العاصمة طرابلس أطفال يجلسون ينتظرون الرحمة "عفواً" أقصد كتلة إنسانية تزن نفسها مقابل 250 درهم أي ربع دينار، وفي محطة البنزين التي هي في شارع النصر أيضاً طفل لم أتكهن بعمره لكنه طفل يحمل حقيبة تحوي على مجموعة بضائع يبيعها أو لنكن صادقين يتسول من خلالها.

في أماكن أخرى ستجد أطفالا يغسلون السيارات، مثلاً في برج الفاتح عندما لا يكون رجال الأمن موجودين، قبالة ذات العماد قبالة الخارجية.. قبالة الفندق الكبير.. في موقف سيارات شارع بالخير وفي موقف شارع أول سبتمبر.. وأن كان بعضهم ليسوا أطفالا جداً لكنهم أيضاً ليسوا كبارا.

كذلك ستجدهم بالقرب من مقهى السرايا بجانب الساحة الخضراء، المقهى الذي يرتاده جل المسؤولين الليبيين في المساء من أجل شرب القهوة وتدخين الأرجيلة، الغريب عدم انتباههم إلى مثل هذه الظاهرة وحتى لو أنتبه سيخبرك "شني دخلني" أي بما معناه: أخطى راسي وقص، فما شأنه فليس تخصصه أن يكون مصلح هو فقط "مسؤول".

وغير هؤلاء يوجد أطفال يبيعون الورد وآخرون العلكة وآخرون مصاحف صغيرة وآخرون عتالون في سوق جامع الصقع وأبو سليم والرشيد وفي أسواق الخضار.

أطفال لكن أحاديثهم نابية.. طريقة تعاملهم أخبث وأكبر من طفولتهم.. أطفال يتعاملون حتى مع من هم أكبر سنا معاملة الند للند. الاحترام لا وجود له في علاقتهم الإنسانية بالآخرين، لا يوجد رادع مقوم لسلوكياتهم أو لأخلاقهم، ثقافة الشارع تطبعوا بها، وماذا ننتظر من أطفال لم يعيشوا طفولتهم، كل يومهم في الشارع يصارعون من هم أكبر منهم سناً من أجل توفير لقمة العيش.

وقد لا يكون الفقر السبب الرئيسي فالأسباب تتعدد، ولكن ما يهم أننا أمام جيل مشرد. جيل هجر مدارسه وجامعاته. جيل أختصر الرحلة وحبذ أن ينزل للشارع مبكراً، فلماذا يضيع الوقت لينزل للشارع ليجني قوت يومه أو ليساعد أهله حسب أقوال بعضهم.

المشكلة أنه حتى لو تحسنت أحوال هؤلاء الاقتصادية فانهم تطغى عليهم أخلاقيات الشارع ولن يتخلصوا من شعورهم بالدونية وبأنهم مهما فعلوا أقل من غيرهم. سيصبح أمامنا عاهات نفسية يصعب التعامل معها يصعب أن ينخرطوا في فسيفسائية هذا المجتمع دون تعقيد أو تشويه.

لازال الأمر في بدايته ولكننا بدأنا نلحظه لذا يجب البدء من الآن في معالجة هذه الموضوع قبل تفاقمه وقبل أن نفقد السيطرة عليه وقبل أن تصبح هذه الظاهرة مشاع. رؤيتها دون أن نستهجنها، فنشرعها بيننا دون أن نشعر، فيطمع الآباء في طفولة أطفالهم ويدفعون بهم للشارع لزيادة دخلهم ما دام الأمر رفع من قائمة المستهجنات اجتماعيا.

نداء أخير اطمح في أن يصل عبر تلك العيون المراقبة لما نكتب: يا سادة! ارجوا انتباه ضمائركم لمثل هذه المواضيع التي قد لا تؤرقكم الآن، لكنها حتماً ستؤرقكم غداً عندما يأتي أحد المستثمرين الأجانب مثلاً ويجد طفلاً صغيرا عالقا في بنطاله يرجوه دينار أو مثلا عندما يريد أحد الدبلوماسيين أن يركن سيارته أمام مقهى السرايا فيقوم بطرده طفل صغير لمجرد أنه لا يريد أن يغسل سيارته ولوحتها هيئة سياسية، وللعلم، والله، إنها صارت أو مثلا وجود مجموعة من المتسولين أمام برج دفعتْ عليه ملايين الدولارات.

أن لم تحسبوها إنسانيا فاحسبوها حضارياً ولو بعد حين، وأتمنى أن يكون هؤلاء الأطفال وغيرهم من قبيل خططكم الهادفة لجعل هذا الوطن أفضل لعام 2008.

أتمنى أن تصل رسالتي مبكراً وكل عام ونحن بخير.

هالة المصراتي – طرابلس

عن موقع ميدل ايست اونلاين

http://www.meo.tv/life/?id=56795


Posted on Sunday, January 13, 2008

العودة إلى الأخبار وتعليقات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.