بقلم معتوق الشيخ
لقد إستأت وتألمت كثيرا عند قراءتي للكلام المنسوب الى الدكتور على الصلابي والمنشور بموقع " اخبار ليبيـا " الاكتروني يوم 10 ابريل الجاري ( 2008م ) حول قيام سلطات النظام في ليبيا بإطلاق سراح نحو تسعين معتقلاً ليبيّا معظمهم من أعضاء ما يعرف " بالجماعة الاسلامية المقاتلة في ليبيا " كدفعة أولي يُتوقع ان تتلوها دفعات اخرى عندما يأذن القذافي شخصيا بذلك .
ولابد أن أؤكد للدكتور الصلابي ولمن يقرأ هذه الكلمات أننى لست من المتعاطفين مع هذه الجماعة ولا مع تصوراتها ولا مع ممارساتها وأساليبها الحركية .. كما أود أن اوكد له ولهم أن مصدر ألمي واستيائي ليس هو حصول هؤلاء الاخوة على حريتهم وإجتماعهم بأهلهم وذويهم فذلك حق طبيعي لهم ولا منًة لأحد في حصولهم عليه، كما أنه أمر لا يتألم او يستاء له إلا ظالم أو فاجر او شاذ.
أم مصدر استيائي وألمي فهما أمران ، أولهما : أن يكون صاحب هذا الكلام هو الدكتور الصلابي الذي كنت أعدًه ويعده كثيرون من الشخصيات الليبية القيادية الواعدة لما عرف به وعنه من علم وخلق. وثانيهما : ما احتواه كلامه المنشور من مضامين لا تستقيم في نظري المتواضع مع ابسط قيم الاسلام ومفاهيمة الاساسية ، ولا مع خطورة القضية التى يتناولها وهي حقوق المواطنين الليبيين الاساسية في الحياة والحرية والامن والامان ، وعدم التعرض للاعتقال التعسفي وللتعذيب والحق في محاكمة عادلة وهي الحقوق التى اقرتها كافة الشارئع السماوية والارضية . - كما لا تليق – في رأي البسيط مع علم الشيخ الصلابي ومكانته.
وقبل أن استطرد في تعليقى على ما ورد في كلام الدكتور الصلابي أري من الواجب أن اعترف له ولقراء هذا المقال أننى لست ضالعاً في ثقافتى الدينية وان نصيبي منها متواضع وبسيط ، ومن هذا القليل الذي تيسر لي ان اتعلمه
-
ان مقاصد الشريعة الاسلامية تتلخص في حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ العرض وحفظ المال.
-
وأن الاسلام حرم الظلم واعتبره ظلمات.
-
وأن الاسلام حرم قتل النفس البريئة وأعتبر قاتل النفس البريئة ، سواء أكان هذا القاتل حاكما أو انساناً عادياُ أيساً من رحمة الله.
-
وأن الله أذن للذين يظلمون ان يقاتلوا ظالميهم بل ووعدهم بنصره.
-
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين بأن يغيروا أي منكر يرونه ، بأيديهم فإن لم يستطيعوا فبألسنتهم وإن لم يستطيعو فبقلوبهم وذلك اضعف الايمان.
-
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
إننى لا اشك في أن الدكتور الصلابي يعلم هذا كله وأكثر منه ... كما أنني لا اشك فيه انه يعلم جيداً مواقف العقيد القذافي – على امتداد العقود الاربعة الماضية – إزاء كثير من المفاهيم والقيم والقضايا الاسلامية ومما هو معروف من الاسلام بالضرورة ، وعلى الاخص نظرته الى الاسلام ذاته وتصوره لمحدودية دور الاسلام ورسالته ، ولمهمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحجية سنته الشريفة ، وعلى الاخص ايضاً أقواله وأراؤه في الصلاة وفي الحج وفي الاسراء والمعراج وفي الحجاب والزواج ، وفي صحابة رسول الله ، واقدامه على استبدال التأريخ بالهجرة النبوية الى التأريخ بوفاة الرسول صالى الله عليه وسلم . وهي الاراء والاقوال والتصرفات التى جعلت عدداً من الدعاة والعلماء الاجلاّء يصدرون في عام 1400 هجري (1980 م.) البيانات والقرارات التى تعتبر من يردد تلك الاقوال والاراء مرتداً عن الاسلام وتطلب منه الرجوع الى الاسلام وإعلان توبته ، وكان من بين هؤلاء العلماء من كان مخدوعاً في القذافي ومتوسما فيه الخير للاسلام وللأمة الاسلامية من امثال اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله.
وحتى لا يأخذنا الحديث الى تشعبّات بعيدة فسأحصره هنا في ملف " انتهاكات حقوق الانسان الليبي وحرياته " الذي يضم بالضرورة قضية هؤلاء الشباب الذين جرى اطلاق سراحهم مؤخراً
وملف انتهاكات حقوق الانسان الليبي وحرياته ، كما يعلم الجميع ، هو ملف كبير جداً وخطير جداً بل لعله اخطر من كافة الملفات الاخرى .. كملف الاستبداد والعسف السياسي والخراب المالي والاقتصادي والاداري والفساد المالي والاموال المهربة والمنهوبة من خزانة الشعب الليبي ، وملف استنزاف الثروات النفطية والمائية واهدارها ، وملف التفريط في السيادة الوطنية والتراب الوطني ، وملف التفريط والغدر والخيانة للقضايا القومية والاسلامية .
-
وهذا الملف ، كما يعلم الجميع ، عمره قرابة اربعين سنة ويرجع الى الايام الاولي لاستيلاء الملازم اول القذافي على السلطة واستفراده بها في الاول من سبتمبر من عام 1969
-
-
انه ملف يضم قضية الالاف من الليبين والليبيات ، رجالا ونساءً واطفالاً ، من العسكريين والمدنيين ومن الطلاب وكافة شرائح المجتمع ، الذين تعرضوا للإعتقال التعسفي لمدد متفاوته بلغت في بعض الاحيان قرابة ثلاثة عقود، وعانوا خلالها من أشد صنوف القهر والتعذيب والاهمال الطبي الذي افقد العشرات منهم قواه العقلية وخلّف لدي عشرات غيرهم عاهات نفسية وبدنية ، وأدي الى ازهاق ارواح عشرات اخرى منهم.
o المذبحة التى صاحبت تفجير مستودعات ومخازن الذخيرة والمتفجرات بطريق السواني بطرابلس ( يونية 1992 )
o مذبحة طائرة الركاب المدنية الليبية – الرحلة الداخلية 1103 ( ديسمبر 1992 )
o مذبحة سجن ابو سليم بطرابلس ( يونية 1996 )
o مذبحة المدينة الرياضية بطرابلس (يولية 1996 )
o مذبحة مدينة بنغازي ( فبراير 2006 )
هذا هو مجمل قضايا ملف انتهاك حقوق الانسان الليبي وحرياته كما عرفه الالاف من الليبيين وعاصروه وعانوا من ويلاته ، وكما وثّقت العديد من جوانبه مختلف الهيئات والمنظمات الدولية والعربية المعنية بحقوق الانسان .
وفي اعتقادي فإن التعاطي المسئول من قبل اي انسان جاد مع هذا الملف الخطير الدامي ، لا ينبغي أن يتوقف عند حد المطالبة او العمل على اطلاق سراح هذه المجموعة او تلك من المعتقلين السياسيين او حتى كل المعتقلين السياسيين والاسراع بإصدار البيانات التى تزجي الشكر والمديح للطاغية على اقدامه على هذه المكرمة وتدعو هؤلاء المفرج عنهم بتقديم الشكر لجلادهم على " احسانه " اليهم بإطلاق سراحهم .
إن اقل ما يقال على مثل هذا الاسلوب في التعاطي مع هذا الملف الخطير هو تعاط قاصر وغير مسئول ولا يصب إلا في خانة تلميع النظام واظهاره على غير حقيقته الاجرامية حتى وإن كان ظاهرة تفريج كربة هؤلاء الشباب الذين اطلق سراحهم .
إن التعاطي الجاد والمسئول مع هذا الملف الخطير من قبل الذين يتوسمون في انفسهم الجدارة للتصدي له ، يوجب عليهم في نظري ادراك أمور ثلاثة :
أولها : ان هذه الحقوق المنتهكة والمهدورة التى يحتويها هذا الملف هي ملك لأصحابها وذويهم وللشعب الليبي بصفة عامة ، وهؤلاء وحدهم هم الذين يملكون حق التنازل عنها او التسامح بشأنها ، ولا يملك هذا الحق غيرهم مهما كان علمه وشأنه وأياً كانت تعليلاته واجتهاداته.
ثانيها : أن احداً لا يملك حق تجزئة النظر في هذه الانتهاكات والمظالم فهي مظالم وانتهاكات وقعت في حق مواطنيين ومواطنات من بلد واحد ومتساوين في الكرامة الانسانية امام الله وفي نظر كافة الشرائع السماوية والارضية ، كما أن هذه الانتهاكات والمظالم وقعت في ظل نظام واحد وحكم واحد.
ثالثها: أن تناول هذا الملف ينبغي أن يعنى وأن يشمل التحقيق في كافة القضايا المندرجة فيه ، كما يعنى محاسبة ومساءلة ومقاضاة كافة المتورطين فيه بدءاً من رأس النظام الى اصغر مجرم فيه وتوقيع القصاص بهم ، كما يعني ايضاً رد المظالم لأصحابها وذويها وتعويضهم تعويضا عادلاً ومعلناً وناجزاً عما لحقهم من أضرار.
وللحديث بقية