لا خير ينتظر من القذافي وحكمه  
العودة إلى المقالات

لا خير ينتظر من القذافي وحكمه

بقلم: إبراهيم عبدالعزيز صهد

لم أكن أنتظر جديدا من القذافي بمناسبة انعقاد مؤتمر الشعب العام، فسياسات القذافي وممارساته كلها تعمل على استمرار الأمر الواقع واستمرار حكم القذافي بنفس المنهجية التي اختطها وفرضها خلال سنوات حكمه الأغبر.

جاءت قرارات ما يسمى بمؤتمر الشعب العام متطابقة مع خطاب القذافي ومنسجمة معه في الإصرار على الأمر الواقع، وعلى فرض إجراءات من شأنها أن تضيف مزيدا من الأعباء على المواطن الليبي. إجراءات قصد منها إرهاق المواطنين بمزيد من الضغوط المعيشية، وإرهاق الثروة الوطنية بإهدار مزيد من الأموال التي يحرم منها الليبيون. وإجراءات ترسل رسالة واضحة أن العبث والطغيان والفساد والاستخفاف ليست واردا قديما على حكم القذافي ولكنها طبعا متأصلا لا يمكن تغييره طالما استمر هذا الحكم.

كان بعض الناس ينتظرون قرارا برفع مرتبات الموظفين وإلغاء قرار تجميد المرتبات الذي ظل ساريا لأكثر من ربع قرن تبدلت فيه خريطة الأسعار وتغيرت فيه أسعار العملات والمواد، لكن لم يكن يخطر على بال أحد أن يكون القرار بهذا الاستفزاز وبهذه العبثية وبهذا الاستخفاف بمقدرات الليبيين ومصائرهم.

قرار فصل ما يقترب من نصف الموظفين في الحكومة من وظائفهم (40%) نسب زورا إلى ما يسمى مؤتمر الشعب العام، وقد ينسب زورا إلى ما يسمى باللجنة الشعبية العامة، ولكن صاحب القرار معروف، فهو نفسه الذي سبق له أن اتخذ جملة من القرارات والإجراءات التي قادت إلى هذا الوضع الذي لم يجدوا له حلا سوى فصل ما لا يقل عن أربعمائة ألف موظف يعولون أربعمائة ألف أسرة ليبية.

إذا ما حسبنا عدد المواطنين الذين سيؤثر عليهم هذا القرار بصورة مباشرة فسنجد أنه قد يزيد على مليوني مواطن باعتبار أن متوسط عدد الأسرة التي يعولها الموظف الواحد هو في حدود خمسة أفراد. هذا بالإضافة إلى أعداد كبيرة أخرى سوف تتأثر بصورة غير مباشرة. إذا ما أضفنا إلى ذلك الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل التي بلغت أرقاما فلكية (35% حسب الأرقام المعلنة)، ناهيك عن البطالة المقنعة ، وكذلك إذا ما أضفنا ضآلة الأجور التي تدفع أصلا إلى الموظفين والإصرار على تأخير صرفها، إذا ما أخذنا كل ذلك في الاعتبار فإننا سندرك الآثار المأساوية التي ستترتب على هذا القرار.

إذا كان المبرر لقرار فصل هذا العدد المأهول من الموظفين هو تضخم العمالة في المؤسسات التابعة "للدولة"، فينبغي السؤال عن السبب الذي أدى إلى نشوء هذا التضخم أصلا. الإجابة عن هذا السؤال واضحة ولا تحتاج إلى عناء، ففي الكتاب الأخضر، وفي نصوصه السقيمة، وفي القمع الذي فرضت به تلك النصوص، في ذلك كله تكمن الإجابة. نصوص تافهة سقيمة ألبست لبوس القداسة بقوة القمع والقهر. نصوص تافهة سقيمة ثبت مرة تلو الأخرى ما تحتويه من جرم بحق ليبيا وشعبها، ومع ذلك فقد استمر الإصرار الآثم على صلاحيتها وتخطئة تطبيقاتها. نصوص تافهة سقيمة فرضت على المواطنين الليبيين واستثني من تطبيقاتها الشركات الأجنبية، كما استثني من تطبيقاتها القذافي وأولاده ومن يدور في مدارهم. نتيجة فرض تلك المقولات كان تحويل كل مجالات العمل إلى دائرة "قطاع عام" ولدت جميع أطرافه ميتة ولم يتعيش عليه إلا فيروس الفساد الذي تحول مع الزمن إلى وحش التهم كل ما ضخ من أموال الخزانة العامة لتمويل عمليات الاقتصاد المصطنع والمشاريع الفاشلة. قطاع عام أصبحت الرشوة "والعمولة" تعد بأرقام فلكية، وبنسب مئوية تقترب من السقف الأعلى الذي تنتسب إليه النسية.

الاعتماد على العمل في "القطاع العام" نشأ نتيجة للقرارات والإجراءات والسياسات التي وقف وراءها معمر القذافي وعمل على فرضها في أجواء سافرة من القمع والقهر والتنكيل. ولقد أدت تلك القرارات إلى تحطيم البنية الأساس للاقتصاد الوطني، والقضاء المبرم على الرأسمال الوطني وحرمانه من الإسهام في العملية الاقتصادية، وأدت أيضا إلى تدمير المؤسسات والشركات الوطنية الحرة في كل مجالات الإنشاء والصناعة والتعمير والتجارة، وأدت إلى تحريم العمل الحر على المواطنين الليبيين، وأدت إلى مصادرة الشركات الوطنية وتأميم التجارة،كما أدت إلى التضييق على المواطنين ومطاردتهم حتى في مدخراتهم التي حاولوا الاحتفاظ بها وإخفاءها.

عندما كان القذافي يلهب ظهور الليبيين بسياطه، ويفرض على ليبيا كلها أجواء من الإرهاب والقمع، ويجيش كلاب أجهزته ولجانه الثورية لتطارد الليبيين وتضيق عليهم في أرزاقهم، كان حكم القذافي يفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات الأجنبية التي احتكرت تنفيذ المشاريع، وأنهكت الاقتصاد الوطني، واستنزفت الخزانة الليبية، وقبضت أثمانا مضاعفة مبالغا فيها لمشاريع بانت عوراتها بمجرد قبض الدفعة الأخيرة. عندما جاءت هذه الشركات إلى البلاد جلبت معها عمالها وكوادرها ومعداتها، فلم يستفد الليبيون من هذه الشركات لا في مجال العمالة ولا في مجال التدريب ولا في أي مجال آخر.

وعندما كانت كلاب اللجان الثورية وأجهزة حكم القذافي تطارد الليبيين الذين حاولوا أن يجدوا رزقا خارج دائرة الاعتماد على العمل في "القطاع العام"، كانت شوارع ليبيا.. مدنها وقراها .. مفتوحة أمام الغرباء من سماسرة ونصابين جاءوا من كل حدب وصوب، وتمكنوا من أن يكون لهم حضور وسيطرة على أعمال ومجالات حرمت على الليبيين، حتى باتوا جزءا من تقرير أسعار العملات، وباتت الأسواق تنسب أسماؤها إلى جنسياتهم، وأصبح الليبيون زبائن فقط في هذه الأسواق، أو يحاولون المشاركة بصورة طفيلية لا تغنى ولا تسمن من جوع.

سياسة سد المنافذ أمام المواطن الليبي لعمل حر شريف، تشكل سمة من سمات حكم القذافي، وجزءا من سياسات القمع والقهر التي اتبعها النظام بغية حرمان الليبيين من حرياتهم الأساسية ومن ممارسة دورهم كمواطنين يشاركون في إدارة الشأن العام وفي الاستفادة من الثروة الوطنية وتوجيهها الوجهة التي تخدم المصلحة العامة. العامل الاقتصادي استخدمه القذافي لإرهاب الليبيين وإذلالهم ضمن مخطط يرمي إلى إفقار الليبيين ووضعهم تحت رحمة ما يجود به الحكم من فتات الفتات من ثرواتهم، وذلك بغية إلهائهم دوما بالمشكل المعيشي الضاغط. في هذا الإطار سدت منافذ الكسب الحر ووضعت العراقيل دونه، وفي هذا الإطار يأتي الإصرار على قانون (15) الذي جمد المرتبات على معدلات تنتمي إلى السبعينيات من القرن الماضي، وفي هذا الإطار تبقى المرتبات الهزيلة التي يتقاضاها الموظفون رهن التسويف والمماطلة لعدة أشهر، وفي هذا الإطار يأتي قرار فصل أربعمائة ألف موظف يعولون أربعمائة ألف أسرة، وفي هذا الإطار تأتي بدعة "المجنب" الذي أدى إلى اختفاء مليارات من أموال الليبيين، وفي هذا الإطار تتحول مليارات من المجنب إلى ودائع حرام في حسابات يمتلكها معمر القذافي وأولاده وعدد من المقربين منهم، وفي هذا الإطار تنفق مليارات في دول إفريقية وغير إفريقية في الوقت الذي يتسول فيه مواطنون ليبيون، وتفتقر البلاد إلى أساسيات تمتلكها أفقر الدول الإفريقية، وفي الوقت الذي يبحث فيه المواطن الليبي عما يمكنه بيعه من متعلقات كي يعالج ابنا أو أبا أو أما، بل في وقت يقدم فيه حكم القذافي رجلا ويؤخر أخرى في تدابير علاج أطفال بنغازي المحقونين بمرض نقص المناعة.

إنها سياسة الحرمان والإذلال، وهي سياسة الانفراد بمقدرات ليبيا. وهي سياسة قديمة للقذافي ولن تتغير. لن تتغير طالما استمر القذافي في حكم ليبيا، ولن تتغير طالما وجد القذافي من بين الليبيين من يعينه ويؤازره، ولن تتغير إذا لم تكن مساعينا جادة في دفع عجلة التغيير الذي يطيح بهذا الحكم الذي زكمت عفونته كل الأنوف.


Posted on Friday, January 26, 2007

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.