لكم الله يا أطفال بنغازي (2)  
العودة إلى المقالات

لكم الله يا أطفال بنغازي (2)

بقلم: إبراهيم عبدالعزيز صهّد
 
التطورات الأخيرة في قضية الممرضات البلغاريات ليست سوى امتداد لأسلوب الاستخفاف والعبث الذي تعامل به حكم القذافي مع هذه الكارثة المأساوية منذ بدايتها، وهو أيضا امتداد لاستهتار معمر القذافي بمشاعر أهالي الأطفال وذويهم، وسخريته من معاناتهم وآلامهم وأحزانهم.

نقل المحاكمة إلى طرابلس حلقة أخرى في مسلسل الاستهتار والاستخفاف الذي تعامل معه القذافي وابنه سيف ومن يدور في فلكهم مع هذا الملف الذي يمثل معاناة مئات من أسر بنغازي التي تمت بصلات القرابة للأطفال الضحايا، بل إنه يمثل معاناة لجميع أهل بنغازي المعروف عنهم الترابط الأسري والاجتماعي.

المبررات التي ساقتها أجهزة القذافي لهذا الإجراء لم تخدع أحدا. فليس هناك أي مبرر قانوني أو إجرائي لنقل المحاكمة إلى طرابلس. عبارات الإطراء والتقريظ التي أغدقتها أجهزة إعلام النظام على القاضي الذي سينظر القضية في طرابلس كانت تصب في نفس مسعى حكم القذافي لتغليف أسباب نقل المحاكمة من موطنها الأصلي "بنغازي" إلى طرابلس. ما يدعو إلى الانتباه هو حرص أجهزة حكم القذافي على بث وتناقل عبارات المديح للقاضي المكلف بنظر القضية في طرابلس، وهو إجراء يعد خروجا على الأسلوب الذي درج عليه القذافي وأجهزته في تعمد تجاهل وتهميش دور كل المواطنين الليبيين بدءا من الرياضيين وانتهاء بأعضاء ما يسمى بمؤتمر الشعب العام، فلماذا التركيز على إبراز القاضي محمود اهويسة؟ ولماذا يا ترى عبارات الإطراء والمديح تساق لوصف هذا القاضي بالنزاهة والكفاءة؟ وهل لا يوجد من بين كل قضاة بنغازي من تتوافر فيه نفس الكفاءة والنزاهة؟ وإذا كان هذا القاضي بالذات –دون غيره- هو من سيقيم العدل، فلم لا يكلف بنظر القضية في بنغازي؟.

لكن الغرض من نقل المحاكمة إلى طرابلس واضح ولا يحتاج إلى أي ذكاء لاكتشافه. أجهزة القذافي تعاقدت مع أطراف أجنبية على إنهاء القضية، ولا تريد أن ترى من قد يعرقل هذه الصفقة، أو يكدر صفو تنفيذها. مطلوب أن يكون وجود أهالي الأطفال الضحايا على أقل درجاته، ومطلوب أن تمنع بنغازي من إبداء التعاطف والمؤازرة للأسر المنكوبة في أطفالها، أو أن يكون يوم المحاكمة ومكانها نقطة استقطاب لأهل المدينة الجريحة. أمن النظام القائم أهم من رغبات أهالي الأطفال وأقاربهم بحضور المحاكمة، وتمرير الصفقة أهم من إقامة العدل، والتزام القذافي وأجهزته تجاه الأطراف الأجنبية أهم من التزامهم تجاه المواطنين الليبيين.

على أية حال فهي ليست المرة الأولى التي يجبر فيها المواطنون لتكبد المشاق والأموال والسفر إلى طرابلس لرؤية حبيب مسجون، أو انتظار إطلاق سراح سجين، فقد غدت طرابلس العاصمة مقرا للسجون يتجمع فيها أحرار ليبيا من شمالها وجنوبها ومن شرقها وغربها، وهاهي تصبح مقرا لنظر قضية لجريمة ارتكبت في بنغازي واختصت المحاكم في بنغازي بنظرها، وما زالت هي صاحبة الاختصاص بموجب قانون الإجراءات، وبموجب حكم المحكمة العليا بإعادة نظرها، بل هاهي طرابلس العاصمة تصبح المقر الوحيد الذي يتوافر فيه قاض يتمتع –دون غيره- بالنزاهة والأهلية!!

ولقد جرب أهالي الأطفال استخفاف النظام بمشاعرهم واستهتاره بمعاناتهم عند نظر هذه القضية أمام المحكمة العليا، وجربوا أيضا مشاق وتكاليف السفر وقطع مسافة ألف كيلومتر والإقامة في الفنادق لمتابعة القضية التي أجلت المحكمة جلساتها مما زاد في إرهاق أهالي الأطفال، الذين حاولوا الاحتجاج فقابلتهم الشرطة واشتبكت معهم أمام مقر المحكمة العليا وفي ميدان الشهداء. وجرب أهالي الأطفال كيف قررت المحكمة العليا –في إجراء فريد من نوعه- تقديم جلسة إصدار قرارها بإعادة المحاكمة، وهو إجراء أدى إلى حرمان الأهالي من الحضور، كما استبق المفاوضات التي كانت دائرة آنذاك.

قرار المحكمة العليا كان خاضعا للضغوط التي مارستها الدول الغربية، وللمناورات التي كانت دائرة بمشاركة أطراف من أجهزة الحكم، بما فيها لجنة سيف التي انحصر دورها في الضغط على أهالي الضحايا بدلا من مساعدتهم. مواقف الضغط هذه كانت في إصرار المؤسسة على عدم مشاركة محام يمثل الأسر في المفاوضات، وفي تهديدات وضغوط قام بها كل من سيف القذافي، وسيد قذاف الدم لإجبار الأسر بالقبول بالصفقة التي كانت تتحدث على مساعدات وليس على تعويضات، والتي كانت تطلب من الأسر القبول بمبالغ تافهة، وتسوية بخسة لقاء إطلاق سراح البلغاريات.

بعد صدور قرار المحكمة العليا تغيرت وضعية الأطراف: أهالي الأطفال كان يساندهم حكم قضائي ويدعم موقفهم ومطالبهم، هذا الحكم أصبح في مهب الريح. بلغاريا ومن ورائها الدول الغربية تراجعت عن بعض عروضها لحل القضية لأن القضية تغيرت صفتها من قضية إدانة محكوم فيها بالإعدام إلى قضية يعاد نظرها وتتم إعادة النظر تحت ضغوط أوروبية وأمريكية تتجاوب معها وتمالئها وتساندها أجهزة حكم القذافي.

هكذا وجد أهالي الأطفال أنفسهم ضحايا لمناورات خبيثة، ولمسلسل مستمر من الخداع، تشترك فيه أطراف كثيرة؛ في مقدمتها أجهزة حكم القذافي والمقربين منه. هكذا كان عليهم أن يشاهدوا معاناة وآلام أطفالهم تتحول إلى لعبة قذرة تتغير قواعدها دون مقدمات، بمجرد تصريحات أو إيماءات من أطراف بعينها. ووجدوا أن حكم القذافي ومؤسسة ابنه لا يقدمان لهم شيئا إلا التهديد والضغط.

وإذا ما عدنا إلى مسلسل تعامل العقيد معمر القذافي ومن يدور في فلكه مع هذه القضية لوجدنا ما يلي:
لم يسجل للعقيد معمر القذافي أن قام بزيارة إلى مستشفى الأطفال في بنغازي للاطلاع على أوضاع الأطفال المصابين، ولم يسجل عليه أن اجتمع بأهالي الضحايا، وكأن المصيبة التي لحقت بأربعمائة وثلاثين طفلا ليبيا لا تستحق أي اهتمام.

لكن القذافي كان جاهزا في أكثر من مناسبة لإطلاق التصريحات التي يوجه فيها الاتهام حول هذه القضية إلى أطراف أجنبية مجهولة، كان آخرها انعقاد ما يسمى بمؤتمر الشعب العام في مارس الماضي، حين اتهم جهاز مخابرات أجنبي بالوقوف وراء هذه الجريمة. لكنه لم يقم لا هو ولا أجهزته المتعددة بأي إجراء لكشف هذه الجهات وملاحقتها، مما يدل على أن هذه التصريحات لا تستند على أي أساس، وهذا شكل آخر من أشكال الاستخفاف والاستهتار بهذه القضية وبتبعاتها.

وكان دخول سيف ابن القذافي ومنظمته على الخط وإصداره تصريحات متناقضة اتسمت بالعبث وباستغلال كارثة كهذه من أجل اكتساب نقاط لحكم أبيه وله شخصيا مع الأوساط الأوروبية على حساب كارثة أطفال بنغازي ومحنة أسرهم وذويهم، بل وعلى حساب مشاعر أهالي بنغازي المفجوعة. وقد تمثل آخر دور له في الضغط (هو وابن عمه سيد قذاف الدم) على أسر الأطفال من أجل قبول تسوية بخسة وتهديدهم بإجراءات إن لم يقبلوا ذلك.

لقد كان أهالي الأطفال يتوقعون من "دولتهم" أن تقف إلى جوارهم وتساعدهم في رفع سقف مطالبهم حتى يمكنهم الحصول على علاج ورعاية طبية لأطفالهم، وعلى تعويضات عادلة، وكانوا يتوقعون المناورة من خصمهم في المفاوضات، لكنهم واجهوا المناورات من القذافي وأعوانه المقربين، وواجهوا الضغوط والتهديدات ممن جاءوا بدعوى أنهم جاءوا للمساعدة وتحت مظلة "مؤسسة خيرية" لم يجن منها شعبنا إلا تبديد أموال ليبيا في دفع الملايين فداء لمواطني دول غربية.

وتبقى أسئلة ملحة ينبغي طرحها: ما هو الثمن الذي سيقبضه حكم القذافي لقاء هذا الاستخفاف والاستهتار بأربعمائة وخمسين أسرة وراءها آلاف الأسر التي ترتبط معها بروابط الدم والقربى والمصاهرة، بل إن الأمر يجب أن يكون مثار اهتمام خمسة ملايين مواطن ليبي؟ .....
بم وعد معمر القذافي وابنه حتى يكون دورهم مكبلا للأسر، وضاغطا عليها، ومهددا لها؟ ......
وما هي الضغوط التي أخضعت لها المحكمة العليا حتى تصدر نقضا للحكم، وتقدم موعد النطق بهذا النقض في سابقة من نوعها؟ ....
ولماذا تنقل المحاكمة إلى طرابلس بدلا من إبقائها في بنغازي .. مسرح الجريمة .. وصاحبة الاختصاص القضائي .. وموطن الضحايا وأسرهم؟.....
ولماذا هذا الإطراء والتقريظ غير المسبوقين للقاضي محمود اهويسة؟ ....
ثم لماذا هذه المناورات الخبيثة؟

أما السؤال الأكثر أهمية .. والذي يجب أن يجيب عليه العقيد معمر القذافي شخصيا: هل يعرف القذافي إلى أين يقود هذه القضية؟ .. ومن الذي سيكون عليه في النهاية دفع التعويضات؟ ... هل ستدفع تعويضات مناسبة إلى أهالي الأطفال؟ ... أم أن تعويضات مبالغ فيها ستتسلمها الممرضات البلغاريات وتدفعها خزانة ليبيا؟ ... سير القضية بهذه الطريقة التي اختارها لها القذافي، والحديث الذي يجري عنها الآن في الأوساط الدولية، وبما نسمعه من تصريحات تدل بكل وضوح على أن الممرضات سيطلق سراحهن دون أية تسوية مقبولة من أهالي الأطفال، الذين ربما سيرغمون على تسوية بخسة. بعد إطلاق سراح الممرضات سيقمن -بمساعدة بلغاريا وبمؤازرة الاتحاد الأوروبي- برفع قضية طلبا للتعويض عما أصابهن، وأن محاكمتهن كانت تفتقر إلى الإجراءات القضائية الصحيحة، وستكون الحجة في ذلك حكم أصدرته المحكمة العليا الليبية بإعادة نظر القضية، وحكم أصدرته محكمة النقض بطرابلس برئاسة قاض" مشهود له بالعدل والنزاهة". قد ترفع القضية أمام المحاكم الأمريكية، وقد يدعي كل الأطراف أنهم لا يملكون منع الممرضات من المطالبة "بحقهن"، وقد يدعي كل الأطراف أنهم لا يستطيعون التدخل في قضية ينظرها القضاء، الجميع سيقول بحرية القضاء وباحترام ما يصدر عن القضاء.

لا شك عندي أن القذافي يعرف هذا تماما بحكم تجارب كارثة التعويضات التي انهالت على بلادنا من كل جانب بسبب سياساته وممارساته. لكنه يعرف أن أمامه طرفين:
أحدهما ممرضات بلغاريات تساندهن دولة بلغاريا، ومن ورائها الاتحاد الأوروبي، يريدون إطلاق سراح الممرضات بريئات كن أم مذنبات. وقد نجحت بلغاريا أيضا في استصدار تصريحات من الرئيس بوش ومن كونداليزا رايس، تصريحات تشبه الأوامر بضرورة إطلاق سراح الممرضات. من هذا الطرف يخاف القذافي، يخاف على حكمه الذي يريده أن يستمر إلى الأبد. هذا الطرف استخدم كل الحرية والعضلات المتاحة له في المناورة والتهديد، وفي التدرج مع القذافي، باستخدام أسلوب الجزرة والعصا، إلى أن أوصله إلى التدخل في سير القضاء، وتفريغ القضية من محتواها القانوني والإنساني، وسحب من يد أهالي الأطفال الورقة الوحيدة التي كانوا يستخدمونها في المفاوضات. استعجل هذا الطرف نقض الحكم وإسقاطه من على طاولة المفاوضات، واستجاب القذافي، وقدمت جلسة المحكمة إرضاء لهذا الطرف.
أما الطرف الثاني فهم مواطنون ليبيون .. أطفال أبرياء في عمر الزهور، وأسر مفجوعة، مدينة مكلومة جريحة، 453 طفلا وأما، توفي منهم 53 حسب آخر إحصائية، ، آلام ومعاناة، وشهيد وراء شهيد، وحياة تتحول إلى مأساة مستمرة. هؤلاء عند القذافي هم الطرف الضعيف، لا يملكون عضلات ولا بواكي لهم، ولا من يهتم بمعاناتهم المأساوية أو بمطالبهم العادلة. النظام الذي كان يجب أن يحميهم هو الذي يقوم –بكل صلف وقسوة بالضغط عليهم-، وهو الذي واجه احتجاجهم بالعنف أمام المحكمة العليا وفي وسط ميدان الشهداء، وهو الذي قام –بكل غباء أو بقصد- بسحب كل الأوراق من أيديهم، بما في ذلك الحكم الصادر في القضية في أثناء سير المفاوضات. هو نفس النظام الذي قرر أن ينقل القضية إلى طرايلس حتى تسقط ورقة معنوية أخرى ما زالت في أيدي أهالي الأطفال.
لقد اختيار القذافي واضحا بين الطرفين، وهو اختيار ينسجم مع ما عرفناه عنه وعن حكمه الأغبر طيلة ثلث قرن مضى.

أهالي الأطفال، ومن خلفهم أهل بنغازي كانوا لا يريدون سوى الحقيقة: من تسبب في إطفاء بسمة الحياة الواعدة، وإشراقة الأمل؟، من الذي تسبب في وأد براعم كانت تتفتح للحياة؟ ومن أحال حنو الآباء والأمهات وفرحهم إلى حسرة وحزن وألم؟ كل ما يريده هؤلاء ومعهم الشعب الليبي هو الإنصاف. إنصافهم ممن تسبب في هذه الكارثة المأساوية. إنصاف لا تعادله أموال الدنيا. كانوا يريدون الرعاية الصحية لأطفالهم والعناية بأمهاتهم، ومواساتهم في محنتهم، وتعزيتهم في مصابهم. كانوا يريدون موقفا مؤازرا من "دولتهم".

لكن حكم القذافي لم يقدم لهم إلا العبث بجراحهم، والاستخفاف بآلامهم، والاستهتار بأحزانهم. فأي إنصاف نتوقعه من حاكم لم يرع يوما في الليبيين إلا ولا ذمة..

Posted on Sunday, April 30, 2006

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.