مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 5  
العودة إلى المقالات

مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 5

 

بقلم: د. محمد يوسف المقريف - (رئيس ديوان المحاسبة الأسبق و سفير ليبيا الأسبق لدى الهند)

"لا يكفي أن يقال أنّ ليبيا تعيش اليوم ومنذ استيلاء انقلاب سبتمبر 1969 على مقدراتها، واقعاً مأساوياً كارثياً ازداد مع السنوات سوءاً وتفاقماً، ولكن ينبغي أن يتمّ التأكيد في الوقت نفسه على أنّ هذا الواقع هو من صنع العقيد القذافي، وهو نتاج توجّهاته وسياساته وممارساته، وأنّه هو المسؤول الأول والرئيسي عنه".
الحلقة الخامسة
هذه الجرائم .. مسؤولية من؟
تناولنا في الحلقتين الماضيتين الملامح العامّة لأوضاع ليبيا في ظلّ النظام الانقلابي، وحصاد توجّهات هذا النظام وسياساته وممارساته على الصعيدين الداخلي والخارجي .. ولا نحسب عاقلاً يتردّد في القول بأنّ ليبيا اليوم وبعد (34) عاماً من حكم الانقلابيين تعيش وضعاً مأوساوياً كارثياً، حيث تمثّلت المحصّلة النهائية لهذه التوجّهات والسياسات والممارسات:
 
-     في إذلال المواطن الليبي، رجلاً وامرأة، كبيراً وصغيراً، وبقهره وامتهانه وحرمانه حتىمن أبسط حقوقه الآدمية والإنسانية فضلاً عن ثروات وخيرات بلاده.
 
-              وفي استنزاف وتبديد ثروة الشعب الليبي النفطية وبقية ثرواته الطبيعية، ونهب أموال خزانته العامة وأرصدتها.
 
-              وفي تشويه صورة المواطن الليبي ودولته، عربياً وأفريقياً وعالمياً، والإساءة البالغة إلى علاقاته بأشقائه وجيرانه وبالمجتمع الدولي بصفة عامّة.
 
-              وفي تفويت فرصة العقود الثلاثة الماضية على الشعب الليبي والحيلولة بينه وبين توظيف كافّة إمكاناته وطاقاته المادية والبشرية من أجل بناء النهضة وتحقيق التقدّم له ولأجياله القادمة.
 
-              وفي ارتهان ثروات ليبيا وخيراتها على امتداد سنوات قادمة لأداء الاستحقاقات ودفع التعويضات عن الجرائم التي ارتكبها النظام الانقلابي إزاء العديد من الأطراف.
 
إنّنا لا نتصوّر وجود أحد يتردّد في وصف ما ارتكبه النظام الانقلابي بحقّ ليبيا ودولتها ومجتمعها وإنسانها وأجيالها القادمة بالجريمة .. بل برزنامة الجرائم ..
إنّ ما وقع خلال هذه السنوات الماضية ليس مجرّد أخطاء عارضة .. أو تجاوزات محدودة .. أو نزوات شاذّة غير متكرّرة .. إنّها جرائم مبرمجة مقصودة مع سبق الإصرار والترصّد.
 
إنّ ليبيا اليوم وبعد أربعة وثلاثين عاماً من تسلّط النظام الانقلابي على حكمها ومقاليد الأمور فيها ..
 
·        أضعف ممّا كانت
·        وأعجز ممّا كانت
·        وأفقر ممّا كانت ..
 
لقد دفع انقلابيو سبتمبر بليبيا ..
 
-              في طريق الأزمات السياسية والعزلة الدولية.
-              وفي طريق الهزائم العسكرية.
-              وفي طريق الخصومات العنيفة والقطيعة مع جيرانها وأشقائها ..
-              وفي طريق الإفلاس والفساد المالي والإداري.
-              وفي طريق الخراب الاقتصادي المصحوب بانحلال أخلاقي وانهيار اجتماعي سوف تقاسي ليبيا آثاره أجيالاً عديدة.
 
تلك هي الجريمة أو الجرائم التي اقترفها انقلابيو سبتمبر بحقِّ ليبيا ..
 
ولكن هل يكفي أن نقول بأنّ هذا هو ما حدث في ليبيا منذ الأول من سبتمبر من عام 1969؟ أم ينبغي علينا أن نحدّد المسؤول عن هذه الجرائم؟
 
في اعتقادي أنّ مسألة تحديد المسؤول عن هذه الجرائم هي من أوجب الواجبات علينا نحن الليبيّين في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ قضيتنا وقضية بلادنا .. وهي المسألة المفصلية الحاسمة لفرز الصفوف الوطنية ولإمكان بلوغ مخرج وحلّ لقضية بلادنا مع هذا النظام يحقّق أماني وتطلّعات شعبنا الحقيقية والعادلة في الحرّية والعدالة وبناء دولة الاستقلال الثانية.
 
إنّه من السهل أن نجد الكثيرين من الليبيّين، حتى من بين عناصر النظام الانقلابي بل القذافي نفسه وسيفه، يتحدّثون عن الأخطاء والتجاوزات والانتهاكات وبعض جوانب الواقع الأسيف الذي تحياه ليبيا، ولكن قلّة من هؤلاء هي وحدها التي تصرّ على ضرورة تحديد المسؤول الحقيقي عن هذا الواقع وعن المآل الذي آلت إليه أحوال بلادنا ..
 
فمن هو المسؤول عن هذه الجرائم التي ارتكبت في ظلِّ النظام الانقلابي؟!
 
هذا سؤال يفرض نفسه .. ولا بدّ من الإجابة عليه .. وإنّ عدم البحث عن إجابة له هو نوع من العبث وانعدام شعور بالمسؤولية .. بل هو في حدّ ذاته جريمة..
 
·       من هو المسؤول عن كافّة المظالم والانتهاكات التي وقعت على امتداد الأربعة وثلاثين عاماً الماضية؟
 
·       ومن هو المسؤول عن الإزهاق الذي تعرّضت له أرواح الآلاف من الليبيّين في الحروب وعلى أعواد المشانق وداخل السجون والمعتقلات خلال هذه الحقبة؟
 
·       ومن هو المسؤول عن هذا الإهدار المتعمّد لطاقات الليبيّين وجهودهم وثرواتهم والاستباحة لأعراضهم ودمائهم وكافّة حرماتهم؟
 
·       ومن هو المسؤول عن هذا الإنفاق السفيه لأموال بلادهم وهذا السطو والنهب لأرصدتها وعائداتها؟
 
·       ومن هو المسؤول عن هذا الاستنزاف الجائر لسائر ثروات ليبيا الطبيعة، وعن التلويث المتعمّد لبيئتها؟
 
·       ومن هو المسؤول عن هذا الترويع والإرهاب والعسف والقمع والبطش والفتك الذي تعرّض له الليبيّون دون استثناء على امتداد هذه الحقبة؟
 
·       ومن هو المسؤول عن هذا الحرمان والتجويع والتجهيل والتعريض لسائر الأمراض والأخطار الذي مورس بحقّ الإنسان في ليبيا، طفلاً وامرأة ورجلاً، على امتداد هذه الأعوام الأربعة والثلاثين؟
 
هذا سؤال ينبغي على كلّ ليبي يؤمن بقضية بلاده أن يطرحه على نفسه وعلى كلّ من يتصدّى للحديث أو البحث في شأن القضية الليبية في هذه الآونة العصيبة من تاريخ بلادنا .. وهذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذه الحلقة وفي الحلقة التي تليها ..
 
فمن هو المسؤول؟
 
لقد تعمّدنا خلال ما سلف من هذه الحلقات استعمال عبارتي "النظام الانقلابي" و"انقلابيو سبتمبر" وذلك من باب الموضوعية وحتى لا نتَّهم من قبل القارئ في تلك المرحلة المبكّرة من البحث باستهداف شخص بعينه من هذا النظام أو من هؤلاء الانقلابيين.
 
وكما هو معروف فإنّ "النظام الانقلابي" كيان مركّب يضمّ جهات وأجهزة وشخصيات ورموز عديدة .. فهو يضمّ:
 
·        من بقى من مجلس قيادة الثورة ورئيسهم الضابط معمر القذافي.
·        وحركة الضباط الوحدويين الأحرار.
·        وتنظيم اللجان الثورية.
·        وأجهزة الأمن والمخابرات بمسمّياتها المختلفة.
 
كما يضمّ هذا الكيان المركّب:
 
·        ما يسمَّى بالمؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ومؤتمر الشعب العام وما يعرف بمختلف الفعاليات ..
 
·        ومجموعة البيروقراطيين والإداريين الفنيين من وزراء ومن دونهم الذين استعان النظام بهم.
 
·        وأبناء القذافي وأقاربه وعدد من أبناء قبيلته.
 
·        وأيضاً بعض أقارب من بقي من أعضاء مجلس قيادة الثورة وبعض أفراد عائلاتهم وقبائلهم والقبائل الأخرى.
 
وأحسب أنّه لا يوجد شكّ في أنّ "النظام الانقلابي" الذي أقامه انقلابيو سبتمبر –في عمومه- هو المسؤول عن كلّ المظالم والشرور والجرائم التي أتينا على ذكرها في الحلقات السابقة.
ولكن هل حصّة ودرجة مسؤولية كلّ فئة من هذه الفئات وكلّ فرد داخل كلّ فئة فيها هي واحدة ومتساوية؟!
 
وإذا كنّا نؤكّد على استهجاننا واستهجان كلّ ليبي بل كلّ إنسان ذي ضمير لأيّ عمل إجرامي سواء أكان صغيراً أم كبيراً بصرف النظر عن مرتكبه، إلا أنّ العدل والإنصاف يوجبان علينا التمييز بين مختلف عناصر هذه الفئات المختلفة من حيث درجة مسؤوليتهم، وحصّتهم ونصيبهم في هذه المسؤولية .. وذلك من منطلق منطقي وقانوني بسيط مفاده أنَّ مسؤولية "المتبوع" أكبر من مسؤولية "التابع" ومسؤولية "الرئيس" أكبر من مسؤولية "المرؤوس" رغم اشتراك الجميع في المسؤولية وخضوعهم للمساءلة.
 
ومن هذا المنطلق سوف نناقش مسؤولية كلّ فئة من هذه الفئات التي يتركّب منها "النظام الانقلابي" عن الجرائم التي وقعت خلال هذه الحقبة.
 
وإلى لقاء في حلقة قادمة بإذن الله.

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السادسة

الحلقة السابعة

الحلقة الثامنة


Posted on Saturday, August 24, 2002

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.