مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 7  
العودة إلى المقالات

مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 7

 

بقلم: د. محمد يوسف المقريف - (رئيس ديوان المحاسبة الأسبق و سفير ليبيا الأسبق لدى الهند)

"لا يكفي أن يقال أنّ ليبيا تعيش اليوم ومنذ استيلاء انقلاب سبتمبر 1969 على مقدراتها، واقعاً مأساوياً كارثياً ازداد مع السنوات سوءاً وتفاقماً، ولكن ينبغي أن يتمّ التأكيد في الوقت نفسه على أنّ هذا الواقع هو من صنع العقيد القذافي، وهو نتاج توجّهاته وسياساته وممارساته، وأنّه هو المسؤول الأول والرئيسي عنه".
الحلقة السابعة
عن مسؤولية أعوان القذافي..
خلصنا في الحلقات الماضية إلى أنّ انقلابيّي سبتمبر استبدلوا النظام الملكي الذي كان قائماً في ليبيا على "الشرعية الدستورية"بنظام ثوري قائم على "الشرعية الثورية"، وأنّ الضابط معمر القذافي استفرد بالسلطة واستأثر بها دون رفاقه من أعضاء "مجلس قيادة الثورة"، كما أنّهاستخدم ذلك المجلس كواجهة مكّنته من حكم البلاد باسمهم حكماً فردياً مطلقاً حتى مارس 1977، ثمّ استحدث في ذلك العام واجهة جديدة أطلق عليها "النظام الجماهيري" وواصل من خلالها حكم البلاد حكماً فردياً مطلقاً حتى يومنا هذا.
 
فهل معنى ذلك أنّ الضابط القذافي هو المسؤول الوحيد عن جميع الجرائم التي ارتكبها النظام الانقلابي بحقِّ ليبيا وشعبها على امتداد السنوات الأربع والثلاثين الماضية؟!
 
إنّ أحداً لا يستطيع أن ينكر مسؤولية عدد كبير من المنتمين إلى الفئات التي أشرنا إليها والتي يتركّب منها "النظام الانقلابي"عن الجرائم والانتهاكات والمآسي التي ارتكبت بحقِّ الشعب الليبي على امتداد هذه السنوات، لا سيّما:
 
1-               أنّ عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة وممّن يدعون بالضباط الأحرار قد أعانوا الضابط معمر القذافي على الاستفراد بالسلطة والاستمرار فيها وفي التخلّص من معارضيه، حتى من بين رفاقهم، وفي التنكيل بخصومه، وفي تنفيذ سياساته ومخططاته وبرامجه رغم ما يعلمونه من فسادها وشرورها وخياناتها ومصادمتها لأماني وتطلّعات الشعب الليبي وأماني جيرانه وأمَّته. كما أنّ عدداً من هؤلاء مارس الطغيان والإجرام والإفساد واستغلال السلطة والنفوذ في دائرته الصغيرة ولمصلحته الشخصية.
 
2-               كما أنّ الغالبية الساحقة من عناصر اللجان الثورية والأجهزة الأمنية المختلفة عاشت الفساد ومارست الإفساد بشتى أشكاله وألوانه، وكرّست استبداد الضابط القذافي وطغيانه، وقدّمت له كافّة صور الحماية، كما قدّمت نفسها أدوات طيّعة في خدمة إجرامه وإرهابه وقمعه ومجونه ومؤامراته. كما أنّ الغالبية منهم مارست الإجرام والقمع والمجون في دوائرها الخاصّة ولمصالحها الذاتية والعائلية والقبلية.
 
3-               كما أنّ عدداً من الإداريين والفنّيين، من وزراء وما دونهم،سمحوا لأنفسهم بالمشاركة في تنفيذ سياسات وبرامج ومشروعات القذافي وهم يعلمون مسبقاً فسادها وإضرارها باقتصاد البلاد وخزانتها وتعليمها وإدارتها وأمنها وبنيتها وبمستقبل أجيالها فضلاً عن الإساءة إلى سمعة ليبيا وكافّة علاقاتها .. كما أنّ الكثير من هؤلاء أحجم عن إبداء رأيه الفني والتخصّصي بأمانة إن لم يكن بشجاعة وصراحة. بل إنّ بعضهم زيّن هذه السياسات والممارسات الفاسدة وقدّم لها المسوّغات والتبريرات المضلّلة وزيّف بشأنها النتائج والتقارير. كما أنّ عدداً غير قليل منهم وظّف ووجّه هذه المشروعات والبرامج لخدمة مصلحته الشخصية والعائلية والقبلية.
 
4-               كما أنّ الغالبية العظمى من العناصر التي شاركت في "مسرحية" المؤتمرات الشعبية ومؤتمر الشعب العام وفي فوضى اللجان الشعبية وفي كافّة "المهازل" التي شهدتها هذه السنوات العجاف، قبلت أن يمرّر القذافي باسمها ومن خلالها عملية تزييف إرادة الشعب الليبي، كما رضيت بأن يصدر القذافي باسمها قرارات وتوصيات كانت ذات نتائج تدميرية على اقتصاد الشعب الليبي وخزانته وقواته المسلحة وعلى قِيَمه وأخلاقه ومستقبل أجياله.
 
5-               كما أنّ عدداً غير قليل من أبناء قبيلة القذاذفة وبعض القبائل الأخرى انحازوا للقذافي انحيازاً عشائرياً أعمى رغم ما يعرفونه عنه من فساد ومجون واستبداد وإجرام. وقدّم هؤلاء للقذافي كلّ صوَر الحماية والمساندة التي بمقدورهم تقديمها استجابةً لرابطة قبلية عمياء، وإيثاراً لمصالح ومنافع مادية وسلطوية أنانية عاجلة، متناسين ومتجاهلين الأعراف والتقاليد والأخلاق التي تحكم مجتمعنا الليبي المسلم وتشدّ مختلف فئاته وقبائله وعائلاته وبيوتاته منذ أقدم العصور .. أمّا ما قام به أبناء القذافي منذ بداية التسعينات فليس خافياً على أحد وقد لا يكون مستغرَباً من أحد.
 
هذه حقائق ليس بمقدور أحد منّا تجاهلها أو القفز عنها عند الحديث عن مسؤولية "النظام الانقلابي" بشأن الجرائم والانتهاكات التي ارتكِبت بحقِّ الشعب الليبي على امتداد العقود الثلاثة الماضية .. فهؤلاء جميعاً شاركوا بدرجة أو بأخرى في تنفيذ هذه الجرائم واقتراف هذه الانتهاكات.
 
ومع ذلك، فنحسب أنّ معايير العدل والإنصاف والمنطق توجب علينا أن نشير في هذا السياق إلى الحقائق التالية:
 
أولاً:   أنّ عدداً من أعضاء "مجلس قيادة الثورة" عارضوا استبداد القذافي واحتجّوا على كثير من ممارساته وسياساته، كما دعوا إلى عودة الجيش إلى ثكناته، وطالبوا بوضع دستور دائم للبلاد وإجراء انتخابات عامّة بها، واستقال بعضهم احتجاجاً على هذه الممارسات، كما أن آخرين خطّطوا وشاركوا في محاولات مبكّرة للإطاحة بالقذافي والقضاء عليه ودفعوا ثمناً باهظاً لتلك المحاولات.
 
ثانياً:   أنّ عدداً كبيراً من "الضباط الوحدويين الأحرار" تصدّوا للقذافي منذ مرحلة مبكّرة واستنكروا استبداده وممارساته، بل وشاركوا في محاولات الإطاحة بحكمه، ومن هؤلاء من دفع حياته ثمناً لموقفه إمّا بالموت في ظروف غامضة أو أمام فرق الإعدام، ومنهم من دخل السجن لسنوات طويلة بسبب اتّهامه بالاشتراك في نشاط يناهض القذافي.
 
ثالثاً:   أنّ عدداً –ولو محدوداً- من عناصر اللجان الثورية وأجهزة الأمن والمخابرات قاوموا بطريقة أو بأخرى إرهاب القذافي وممارساته الدموية ولم يستجيبوا بشكل كلّي لصور تحريضه عليها، ودفع عدد منهم ثمناً لهذه المواقف.
 
رابعاًً:  أنّ عدداً من أبناء قبيلة القذاذفة والقبائل المحسوبة عليها، نأوا بأنفسهم عن أن تجرّهم العصبية القبلية العمياء لأن يكونوا أدوات لإجرام القذافي. بل إنّ بعضهم انضمّ إلى فئات الشعب الليبي المعارضة للنظام، كما أنّ عدداً من هؤلاء سعى للقضاء على القذافي والتخلص منه.
 
خامساً: أنّ بعض المؤتمرات الشعبية نجحت، ولو على نطاق محدود وبصفة مؤقتة، في معارضة وإفشال عدد من سياسات القذافي ومخطّطاته التدميرية كمشروع "الشريط الساحلي" ومشروع "تجنيد المرأة" ومشروع "المقايضة" ومشروع "إلغاء التعليم الابتدائي".
 
نحسب أنّ هذه المواقف تعفي أصحابها من كثير من المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها "النظام الانقلابي" ..
 
ولكن ألا يظلّ هؤلاء مسؤولين عن بقية الجرائم الأخرى التي ارتكبها النظام الانقلابي وهم جزء من هذا النظام؟
 
وماذا عن بقية العناصر الأخرى المكوّنة للنظام الانقلابي والتي لم تتّخذ أيّة مواقف تُحسب أو تسجّل لها، ألا تظلّ متورّطةً بالكامل ومسؤولة بالكامل عن هذا السجلّ الإجرامي للنظام الانقلابي؟
 
ذلك ما سنحاول مناقشته في حلقة قادمة بإذن الله.

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السادسة

الحلقة السابعة

الحلقة الثامنة


Posted on Monday, August 26, 2002

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.