مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 8  
العودة إلى المقالات

مأساة ليبيا .. ومسئولية القذافي 8

 

بقلم: د. محمد يوسف المقريف - (رئيس ديوان المحاسبة الأسبق و سفير ليبيا الأسبق لدى الهند)

"لا يكفي أن يقال أنّ ليبيا تعيش اليوم ومنذ استيلاء انقلاب سبتمبر 1969 على مقدراتها، واقعاً مأساوياً كارثياً ازداد مع السنوات سوءاً وتفاقماً، ولكن ينبغي أن يتمّ التأكيد في الوقت نفسه على أنّ هذا الواقع هو من صنع العقيد القذافي، وهو نتاج توجّهاته وسياساته وممارساته، وأنّه هو المسؤول الأول والرئيسي عنه".
الحلقة الثامنة (والأخيرة)
ويبقى القذافي المسؤول الأول والأخير..
خلصنا في الحلقة الماضية إلى أنّ أعوانالضابط معمر القذافي وبقية أركان لنظام الانقلابي والعناصر والفئات الأخرى التي يتركّب منها ذلك النظام –باستثناء قلّة قليلة منها- تظلّ مسؤولة عن جزء هام من الجرائم والتجاوزات التي وقعت بحقّ الشعب الليبي على امتداد العقود الثلاثة الماضية .. قد يتفاوتون فيما بينهم في نصيب كلٍّ منهم من هذه المسؤولية .. ولكنّهم يظلّون مسؤولين عنها أمام التاريخ .. وأمام الشعب الليبي وأمام القانون.
 
ومع ذلك فإنّنا نرى أنّ الإنصاف والعدل يفرضان علينا القول –في ضوء ما أشرنا إليه في حلقات سابقة (الحلقة السادسة) حول استفراد القذافي بالسلطة والصلاحيات المطلقة التي أعطاها لنفسه، والتدخّلات السافرة التي مارسها في كافّة شؤون الدولة الليبية وشعبها- أنّ المسؤولية الأولى والأساسية والكاملة عن كافّة هذه الجرائم والانتهاكات إنّما تقع على المدعوّ معمر القذافي .. أمّا مسؤولية أعوانه وبقية عناصر النظام الأخرى عنها، فهي مسؤولية محدودة لا مطلقة .. وهي لا تتجاوز ما يُعرف في القانون بمسؤولية "التابع" أو "الأداة".
 
ولا ينبغي في هذا السياق أن ننسى ..
 
-              أنّ معمر القذافي وحده هو الذي أنشأ هذه الأجهزة واللجان والهياكل بمسمّياتها المختلفة.
 
-              وأنّ معمر القذافي وحده هو الذي حدّد لهذه الأجهزة واللجان والهياكل مهامها واختصاصاتها ودليل عملها كما وضع لها جداول أعمالها، وصاغ مقرّراتها وتوصياتها ونسبها إليها.
 
-              وأنّ معمر القذافي ذاته هو الذي اختار أعضاء وعناصر هذه الأجهزة واللجان والهياكل وقام بتحريضها، بشكل علني وخفي، على الإرهاب والقتل والقمع والقيام –باسم الثورة والشعارات الثورية- بكافّة الممارسات الظالمة الجائرة.
 
-              وأنّ القذافي –ولا أحد غيره- هو الذي أطلق أيدي هذه الأجهزة واللجان والهياكل للقيام بمهامها الإجرامية الإرهابية ووضع تحت تصرّفها كافّة الإمكانات والمستلزمات الضرورية.
 
-              كما أنّ القذافي –ولا أحد غيره- هو الذي أصدر إلى هذه العناصر أوامر التكليف بتنفيذ مهامها الإجرامية .. وهو الذي سعى دوماً للتغطية على هذه الجرائم .. ولتقديم التبريرات لها .. ولحماية مرتكبيها بل ولإجزال العطايا والمنح لهم.
 
هذه حقائق معروفة وثابتة .. ويوجد عشرات إن لم يكن مئات الشهود عليها .. وهي تؤكّد بما لا يدع أيّ مجال للشكّ بأنّ الضابط معمر القذافي هو المسؤول الأول والرئيسي والأخير عن كافّة الجرائم والمظالم التي ارتكبت بحقِّ الشعب الليبي في ظلّ النظام الانقلابي طوال هذه السنوات.
 
ولن يغيّر من هذه الحقائق أو يقلّل من قيمتها وأهمّيتها شيئا ..
·               ادّعاء القذافي في مناسبات عديدة بأنّه ليس بحاكم ولا ملك ولا رئيس .. فالصلاحيات "الثورية" التي أعطاها القذافي لنفسه تتجاوز ما أعطته كافّة الدساتير والقوانين لأي حاكم أو ملك أو رئيس.
 
·               أو قدرة القذافي ونجاحه في إصدار كافّة أوامره وتعليماته شِفاهاً ودون دليل مكتوب، أو نجاحه في تغييب وإخفاء أدلّة وقرائن وشهود تورّطه وتدلّل على مسؤوليته سواء أكانت هذه الأدلة والقرائن مادية أو بشرية. فالمعروف أنّ جميع الحكام الطغاة ممّن هم على شاكلة القذافي لا يعطون أوامر كتابية كما أنّهم لا يتردّدون حتى في تصفية من يخشون أن يكونوا شهوداً يوماً ما على جرائمهم.
 
·               ادّعاء القذافي بعدم علمه بما جرى من مظالم ومفاسد وجرائم وتجاوزات في ظلّ نظامه الانقلابي على امتداد هذه السنوات.
 
فقد قال الشاعر العربي منذ زمن بعيد:
إنْ كنتَ لا تدري فتلك مصيبة             وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.
 
وحتى لو لم يكن القذافي يعلم بتلك المظالم والجرائم والتجاوزات، فهو يظلّ مسؤولاً عنها بحكم مبدأ "مسؤولية الرئيس عن أعمال تابعيه". وقد ورد على لسان الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض[1] خلال اللقاء الذي أجراه معه برنامج "بلا حدود" بقناة "الجزيرة" العربية يوم 17/12/2003 ما نصّه:
 
"هناك مبدأ دولي حاسم .. وهو أنّ الرئيس يُسأل عن أعمال تابعيه، حتى لو لم يكن أصدر أوامر وحتى لو لم يكن يعلم ... في خبرتي العملية ما لقيتش رئيس بيدّي أوامر مكتوبة أبداً، بيدّي إمّا أوامر شفهية، يا إمّا يسكت ويسيبهم يتصرّفوا دون أن يتدخّل، فحتى السكوت يعتبر جريمة، وحتى عدم العلم يعتبر جريمة، لأنّ الرئيس مفروض أن يعلم ..."
 
إذن فقد انتهينا في هذه الحلقات إلى ثلاث خلاصات:
 
أوّلها:  أنّ ليبيا تعيش في ظلّ النظام الانقلابي الذي يقوده معمر القذافي، وضعاً مأساوياً كارثياً عزّ نظيره وانتفى تبريره.
 
ثانيها:  أنّ إيصال ليبيا وشعبها إلى هذه الحالة المأساوية هو جريمة في غاية البشاعة، بكافّة أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وسواء أنظرنا إليها من منظور وطني أم قومي أم إنساني.
 
ثالثها:  أنّ معمر القذافي هو المسؤول الأول عن وقوع هذه الجريمة/الكارثة مسؤولية أساسية وكلّية ومطلقة.
 
وفي اعتقادنا أنّ هناك نتيجتين منطقيتين تترتّبان على هذه الخلاصات:
 
الأولى: حقّ الشعب الليبي في المطالبة بمحاكمة الضابط معمر القذافي عن هذه الجريمة أو هذا السجل من الجرائم.
 
الثانية: حقّ الشعب الليبي في اعتبار الضابط معمر القذافي غير مؤهّل لأن يكون طرفاً عند البحث في مستقبل ليبيا أو حلّ مشاكلها القائمة.
 
ضرورة المطالبة بمحاكمة القذافي
قلنا من قبل إنّ لكلّ جريمة فاعلاً .. كما أنّ لكلّ جريمة عقوبة.
 
وإنّ منطق الحقّ والعدل الأزليين يوجب ملاحقة الجاني أيّاً كان، وإلحاق القصاص العادل به. يستوي في ذلك أن يكون الجاني وضيعاً أم كبيراً، غنياً أم معدماً، حاكماً أم محكوماً .. يتكلّم العربية أو العبرية أو اللاتينية أو غيرها من لغات الدنيا ..
 
وفيما نعلم، فإنّ الضابط معمر أبا منيار القذافي هو في نظر الشعب الليبي المتّهم الأول والرئيسي بارتكاب هذه الجريمة التي حلّت بهم وببلادهم منذ الأول من سبتمبر 1969، وهو المسؤول الأول والرئيسي عن إيصال ليبيا إلى هذه الحالة المأساوية الكارثية التي تحياها..
 
 ومن ثمّ فإنّ المطالبة بتقديم هذا القذافي إلى القضاء العادل ومحاكمته عمّا ارتكبه وجنته يداه على امتداد الأربعة والثلاثين عاماً الماضية هي حقّ طبيعي ومشروع للشعب الليبي تسنده كافّة الشرائع السماوية والوضعية.
 
وإنّ هذه المطالبة هي حقّ عام لكافّة الليبيّين .. ولا يملك أيّ شخص أو فئة منهم الصفة التي تخوله للتنازل عن هذا الحقّ تحت أيّ ظرف وبأيّ ذريعة وأي مبرّر..
 
كما أنّ هذه المطالبة هي ضرورة وطنية حيوية إذا أردنا –نحن الليبيّين- صلاح أوضاع بلادنا على أسس صحيحة راسخة، ورغبنا في الحيلولة دون تكرار هذه المأساة الكارثة مرّة أخرى في المستقبل.
 
ولا ينبغي لشعبنا حتى وإن بدا الآن عاجزاً –في ظلّ الظروف الراهنة- عن تحقيق هذا المطلب .. أن يتنازل عنه أو أن يترخّص فيه ..
 
قد يكون لدول وشعوب أخرى حقوق وحسابات كثيرة مع القذافي ونظام حكمه .. ومن حقّ هذه الدول أن تقرّر ما تشاء بشأن هذه الحقوق والحسابات وفقاً لمبادئها ومصالحها   وظروفها .. فهذا شأنها وحقّها ..
 
أمّا بالنسبة لما اقترفه القذافي ونظام حكمه بشأن ليبيا وشعبها .. ومحاسبة ومساءلة ومقاضاة ومعاقبة هذا النظام ورموزه عنها .. فهذا شأن ليبيّ محض .. وهو حقّ للشعب الليبي بكامله وحده .. كما أنّه فضلاً عن ذلك واجب تقع أعباؤه على كاهل الشعب الليبي وحده .. ولا ينبغي لشعبنا أن يتوقّع من أيّ أحد أو أيّ جهة غيره أن تضطلع بهذه المسؤولية نيابة عنه.
 
نعم .. قد يكون من حقّ الشعب الليبي أن يتوقّع من أشقائه وجيرانه وبقية الأسرة الدولية، وبخاصّة تلك التي تظهر حدباً على قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة واهتماماً بمسيرة الديمقراطية في العالم، أن تتعاطف معه وأن تناصر نضاله لرفع هذه المظالم والانتهاكات التي ارتكبها بحقه القذافي ونظامه الانقلابي، وأن تساند جهود شعبنا في ملاحقة ومقاضاة ومعاقبة المسؤولين عنها .. ومع ذلك فإنّ هذه المهمة تبقى شأناً ليبيّاً بالدرجة الأولى والأساسية.
 
وفي إعتقادي الخاص فإن أي دعوة لإصلاح الأوضاع السياسية القائمة في ليبيا لا تتضمن مطلب تقديم العقيد معمر القذافي إلى القضاء والمحاكمة عن جرائم 34 سنة الماضية، هي دعوة قاصرة ومتجنية ولا تلبي المطالب الحقيقية للشعب الليبي في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخه. وليس لمثل هذه الدعوة من سوى الفشل فضلاً عن طعن مسيرة شعبنا نحو العدل والحرية والتقدم.
 
القذافي ليس جزءاً من الحل ..
 
النتيجة الثانية المترتّبة على اعتبار القذافي مسؤولاً عن هذه الحالة المأساوية التي بلغتها أوضاع ليبيا .. هي إسقاطه كطرف عند محاولة البحث عن حلّ للواقع الكارثي الذي تحياه   ليبيا ..
 
·               فالقذافي هو سبب المشكلة القائمة في ليبيا وبالتالي فلا يمكن أن يكون هو، أو مقولاته وأفكاره، أو رموز نظامه المتورطة بمن فيهم أبناؤه، جزءاً من الحلّ لهذه المشكلة.
 
·             كما أنّ القذافي غير جدير بأن يُحاور، وغير مؤهّل بأن تُوجّه إليه أيّة مطالبات ومناشدات بإحداث إصلاحات أو تغييرات في نظام الحكم.
 
·                كما أنّ القذافي استنفد –بعد أربع وثلاثين سنة في الحكم- كلّ الفرص التي يمكن أن تُعطى لأيّ حاكم كي يجرّب على شعبه أفكاره وشطحاته.
 
وإنّ من واجب الشعب الليبي ومن حقّه أيضاً أن يصرَّ على هذه القناعات وهذه النتائج لمواجهة مستجدّات الوضع الراهن لقضية بلاده.
 
وإنّ من حقّ الشعب الليبي وواجبه أن يذكّر القذافي ومن يدعو إلى استمرار نظام حكمه أو من يدعو لأن نوُرّث كالأنعام والسائمة لأحد أبنائه .. إنّ من حقّ شعبنا وواجبه أن يذكّر هؤلاء جميعاً ..
·   أنّ هذا الضابط القذافي لم يكن أحد أبطال استقلال ليبيا.
·   ولم يكن حتى نجلاً لأحد أبطال هذا الاستقلال .
 
وإنّ من حقّ شعبنا ومن واجبه أن يذكّر هؤلاء جميعاً ..
 
·  أنّ الضابط القذافي ليس سوى متآمراً وسارق سلطة.
·  وأنّ هذا الضابط لم يجرؤ يوماً على ترشيح نفسه في انتخابات عامة.. ولم يستند وجوده في الحكم يوماً إلى شرعية دستورية أو رضا شعبي حقيقي. (إذا ما استثنينا بالطبع مؤتمر أبي سليم)
 
وإنّ من حقّ شعبنا ومن واجبه أن يقول لهؤلاء جميعاً وبأعلى صوته ..
 
·   سواء أكان الضابط القذافي مخبراً لدى مخابرات العهد الملكي أم لم يكن ..
·   وسواء أكان عميلاً صنيعة لتلك الجهة أم لم يكن ..
·   وسواء أكان "أخواله" كما يقول بعض معارضيه أم لم يكونوا ..
·   وسواء أكان هو مؤلّف "الكتاب الأخضر" أم لم يكن ..
·   وسواء أكان أوسم المخلوقات طرّاً .. أو كان أقبحهم خلقة وفعالاً ..
 
-      ألا تكفيه أربعة وثلاثين عاماًَ كاملة من إخضاع ليبيا لإرادته وعبثه وتخلفّه.. وإذا كان بمقدوره أن يجلب لليبيا وشعبها أيّ خير، فما الذي منعه حتى الآن من جلبه؟ ولِمَ انتظاره كلّ هذه السنوات؟!
 
-      وإذا كان ما جلبه هذا القذافي على ليبيا حتى الآن ليس سوى الشرور، بكلّ أنواعها وسبلها .. أليس من حقّ أبناء شعبها أن يقولوا له كفانا من شرورك ومن "جنّتك" التي ظللت تزعم أنّك "تريد أن تأخذهم إليها بالسلاسل".
 
ولله الأمر من قبل ومن بعد.  والله من وراء القصد.
[1] الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض حاصل على الماجستير في القانون الدولي من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1953 وعلى الدكتوراه من جامعة باريس عام 1954 وعمل أستاذاً للقانون الدولي في جامعات باريس وكولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية وصنعاء وبيروت. اختارته الأمم المتحدة عام 1995 عبر الانتخاب كأحد الأعضاء التسعة للمحكمة الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب.

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الحلقة السادسة

الحلقة السابعة

الحلقة الثامنة


Posted on Tuesday, August 27, 2002

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.