|

|
|
بقلم: ابراهيم عبدالعزيز صهد
|
في مقالة سابقة حول قضية أطفال بنغازي، قلت بأن: "التسوية "الصفقة" قادمة، وهي لم تعد تتوقف عند حدود تبرئة البلغاريات، بل والمطالبة بتعويضهن والاعتذار لهن. السؤال يكمن فقط في متي وكيف وكم؟ ثم كيف سيتم إخراج هذه الصفقة؟"
إخراج الصفقة كما يرغبها حكم القذافي افتضحت ولم تعد خافية بعد أن نشرت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا معلومات تفصيلية حولها تحصلت عليها من مصادر موثوقة[1]. ثم اضطر سيف القذافي إلى الاعتراف بهذه الصفقة في عدة مقابلات أجريت معه ونشرت في وسائل إعلامية. لكن ليس بالضرورة أن هذه الصفقة التي يقترحها حكم القذافي هو ما ستقبله وتوافق عليه بلغاريا ومن ورائها أوروبا.
صحيفة بلغاريةنشرت مقابلة مع سيف، كرر فيها تدخلاته السافرة في قضية الأطفال الليبيين المحقونين بفيروسات نقص المناعة، وحفلت المقابلة بتصريحات له توضح مدى استخفافه بقضية الأطفال الأبرياء، وبالقضاء الليبي، كما توضح الاستغلال البشع لهذه القضية الإنسانية وربطها بأغراض حكم القذافي ومخططاته وذلك بتحويلها إلى مساومات رخيصة قذرة.
وبالرغم من أن سيف القذافي وأبيه حرصا مؤخرا على التشدق باستقلالية القضاء الليبي، إلا أن المقابلة أوضحت إصرار سيف على التدخل السافر في مجريات قضية لا زالت تحت نظر القضاء، وعلى استباق كلمة القضاء في هذه القضية، علاوة على طعنه في الإجراءات القضائية وفي سير التحقيق وفي المحققين أنفسهم.
كذلك حرص سيف على التعهد بأن الممرضات لن يتم إعدامهن، وهو تعهد أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنه وعد ممن لا يملك أية صلاحية قانونية أو سياسية فيما عدا كونه ابن دكتاتور ليبيا، وهذا الوعد قصد منه استباق المحكمة العليا التي ستنظر القضية، ووضع ضغوط على قضاة المحكمة. هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية السياسية فهو يقدم رسالة واضحة إلى المجتمع الأوروبي بأن عليه ألا يأبه ولا يكترث كثيرا لأي حكم تصدره المحكمة طالما أن هذا الحكم قد تم نقضه قبل أن يصدر، كما أنه يسحب الورقة الوحيدة المهمة التي يستطيع أهالي الأطفال أن يستخدموها في أية مفاوضات قد يجرونها مع بلغاريا ومع غيرها.
وحفلت المقابلة على تصريحات لسيف من شأنها أن تنسف القضية القانونية برمتها حيث أوردت الصحيفة قول سيف: ("نحن أيضا فوجئنا واستغربنا نتيجة الحكم"، ملقيا باللوم على الشرطة والمحققين)، فاستغراب سيف للحكم الصادر يأتي إما لافتقاره إلى حيثيات ووقائع وأدلة تسنده، أو لأنه يمتلك من المعلومات -التي تدين أطرافا أخرى- ما لا تمتلكه الهيئات القضائية نفسها، أو لأنه لا يرى في جريمة حقن أكثر من أربعمائة طفل ليبي موجبا لصدور مثل هذا الحكم. ثم إن إلقاء اللوم على الشرطة والمحققين يطعن في إجراءات الضبط والتحقيق من ناحية، كما يطعن في هيئة المحكمة نفسها، بل إنه ينسف القضية من أساسها.
تدخلات معمر القذافي في مجريات القضاء الليبي يحاكيها –وبإتقان- ابنه سيف، ولسنا في سياق فتح ملف القضاء والعدالة تحت حكم العقيد معمر القذافي، ولسنا في سياق فتح ملفات المحاكم الاستثنائية والعسكرية وتلك "المحاكم" التي كانت تشكل وتنظر القضية وتصدر حكما بالإعدام وتنفذه في ساعات معدودة، ولسنا في سياق الحديث عن محنة القضاة والمحامين ورجال النيابة العامة تحت هذا النظام، ولا في أحكام الإعدام التي نفذت في إطار "قضاء" القذافي وخارجه، ولا في السنوات الطوال التي قضاها مئات الآلاف من المواطنين في السجون بدون محاكمة أو بأحكام أصدرتها محاكم لا تمتلك شيئا من مقومات القضاء والعدل. هذا كله معروف وموثق ومنقوش في أفئدة الليبيين وفي عقولهم، منقوش بمداد من دماء الشهداء الأبرياء ومن دموع الأمهات الثكلى ومن عذابات شعب بأكمله مورس بحقه إذلال وقمع وقهر. ولهذا فإن الأكاذيب والادعاءات الفارغة لا يمكنها أن تمحو من الذاكرة الجماعية ما فعله القذافي بالقضاء الليبي من إلغاء وتجاوز وتهميش ، وما قام به من إجراءات تخريبية تجاه القضاء وكل ما يحيط به ويمت إليه من عدل وقضاة ومحامين ورجال نيابة، ومن قوانين وإجراءات عدلية.
قضية حقن الأطفال لم تنج من تدخلات معمر القذافي وابنه، بتصريحاتهم العابثة والمتناقضة أحيانا، وبتدخلاتهم السافرة في مجريات القضية. لكن سيف برغم هذه التدخلات ما زال يقول بأن "المحكمة اتخذت القرار بصورة مستقلة تماما". وإذا كانت الحالة كذلك فكيف يحق له استغراب الحكم، ثم الطعن في إجراءات الضبط والتحقيق وغيرها؟ وخدمة لأي غرض يحرص على تكرير التشكيك في الإجراءات التي اتبعت في هذه القضية؟ قال ذلك الآن، وقاله في عدة مناسبات سابقة. ثم بعد ذلك كله ما هي الصفة التي تؤهله لأن يتدخل هذه التدخلات السافرة العابثة؟، وهو سؤال يسري على كل تدخلات سيف في الشأن العام.
لكن ذلك غير مستغرب من سيف الذي يتبجح بأن نظام والده ليس " بوحشية الحكومة العراقية"، وكأن الليبيين لم يشاهدوا مناظر إعدام أبنائهم الأبرياء تبث على شاشات التلفزيون، وتنفذ في المدارس والجامعات وفي الشوارع والميادين العامة وفي الساحات الرياضية...... في المدن والقرى والواحات، وكأن حكم القذافي لم يصر على اختيار مناسبات دينية كثيرة للتنكيد على الليبيين وإذلالهم وقهرهم، حتى في شهر رمضان المبارك أصر القذافي على تنفيذ سلسلة من الإعدامات وحرص على بثها قبيل الإفطار إمعانا في القهر والإرهاب والتنكيد. لكن هذا كله –حسب معايير سيف- لا يوصف بالوحشية، لأنه نفذ بحق الليبيين الذين استباحهم هو ووالده وليس لهم من يحميهم ويدافع عنهم، أما الممرضات البلغاريات فتقف وراءهن دول تتوعد وتهدد.
تدخلات سيف تعدت الإجراءات القضائية إلى ممارسة ضغوط على أهالي الأطفال بدلا من مساعدتهم، مواقف الضغط هذه تمثلت في إصرار المؤسسة التي يرأسها سيف على احتكار التعامل مع كافة الأطراف في إطار هذه القضية، ومن ذلك عدم مشاركة محام يمثل الأسر في معظم المفاوضات التي جرت، كما تمثلت مواقف الضغط في تهديدات وضغوط قام بها كل من سيف القذافي، وسيد قذاف الدم لإجبار الأسر بالقبول بالصفقة التي كانت تتحدث عن مساعدات وليس تعويضات، والتي كانت تطلب من الأسر القبول بمبالغ تافهة وتسوية بخسة كي يتم إطلاق سراح البلغاريات، ثم تمثلت أيضا في تقديم مقترحات إلى الأوروبيين دون مشاركة أهالي الأطفال، تمثلت في التحدث إلى الأوروبيين بمعزل عن أهالي الأطفال.
كما شملت المقابلة –التي نشرتها الصحيفة البلغارية- اعترافا من سيف القذافي –لأول مرة- بوجود صفقة (مساومة رخيصة) اقترحها نظام القذافي يتم من خلالها تبادل الممرضات البلغاريات بعبد الباسط المقرحي الذي يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة في سجون اسكتلندا بسبب قضية تفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكربي.
هذا الاعتراف جاء بعد أن قامت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بفضح المساومة التي قدمها حكم القذافي إلى بلغاريا وأطراف غربية أخرى ، وكان من أهم بنود هذه المساومة:
1) قيام بلغاريا بتعويض أهالي الأطفال –بطريقة غير مباشرة- وذلك عن طريق التفاوض بين "منظمة بلغارية غير حكومية " وبين أهالي الأطفال للتوصل إلى اتفاق حول قيمة التعويضات.
2) التزام نظام القذافي بالضغط على أهالي الأطفال لقبول التسوية. هذا البند معناه أن أهالي الأطفال سيكونون تحت ضغط النظام لقبول تسوية قد لا يرتضونها، وهو أمر لا بد يستغله المفاوضون البلغار في حالة حدوث مفاوضات.
3) قيام السلطات الليبية بإطلاق سراح الممرضات البلغاريات، تحت ستار تسليمهن إلى بلغاريا بعد استبدال حكم الإعدام إلى السجن، لقضاء مدة الحكم في سجون بلغاريا. (ليس هناك في المقترح ما يضمن أن عقوبة السجن سيتم تنفيذها في بلغاريا).
4) يتم تعويض بلغاريا عن الأموال التي تدفعها لقاء هذه التسوية عن طريق منحها حق تنفيذ مشاريع في ليبيا، من بينها مشاريع صحية وعلاجية "لتطوير وتحسين الخدمات الطبية في ليبيا"[2].
5) قيام الحكومة البريطانية باستصدار قرار يتم بموجبه تسليم المواطن الليبي عبد الباسط المقرحي من اسكتلندا، إلى دولة إسلامية يتفق عليها لقضاء العقوبة المحكوم عليه بها. واضح بأن الزج بقضية عبد الباسط المقرحي هي بيت القصيد، وهو استغلال فاضح لمحنة الأطفال وتوظيفها من أجل تحقيق أهداف نظام القذافي بنقل المقرحي إلى بلد إسلامي أو عربي[3]. وبالرغم من محاولة سيف نفي ذلك بادعائه بأن الأمر "ليس مسألة مبادلة، وانما هما قضيتان مختلفتان"، لكن اختلافهما لم يمنع تضمينهما في مقترح واحد، وجعل إحداهما ثمنا للأخرى، تماما كما يقايض المقترح تعويضات تدفعها بلغاريا بمشاريع يعطى لبلغاريا احتكار تنفيذها في ليبيا. هذا ليس من شأنه تسهيل التوصل إلى حل لقضية الأطفال، ولكنه يؤدي إلى تعقيدها بإقحام عوامل وأطراف أخرى عليها، كما أنه يحول الموضوع إلى تعويضات تتسلمها الحكومة البلغارية من الخزانة الليبية غنيمة باردة، في حين لا يتوقع أن يحصل أهالي الأطفال على أية تعويضات مناسبة. ولا بد من التساؤل لماذا تتم هذه المقايضات، وخدمة لأي غرض؟
6) فيما يوضح المقترح آلية للمقاصة بين نظام القذافي والحكومة البلغارية نتيجة لهذه التسوية، إلا أنه لا يوضح كيف ستدفع التعويضات إلى أهالي الأطفال الضحايا، سواء تلك الناجمة عن المقاصة بين الحكومتين، ولا تلك التي تترتب بعد المقاصة.
هذه الصفقة –التي أسماها سيف خارطة الطريق- لن تقود الأطفال وأهاليهم إلا إلى متاهة يهدر فيها مزيد من الوقت الثمين، وتتفاقم فيه حالة الأطفال المرضى، ونفقد مزيدا من الأرواح البريئة. هذه الصفقة تسخر القضية برمتها وتحولها إلى أداة تستفيد منها أطراف أخرى وتحقق من ورائها مصالح مالية واقتصادية وسيادية. على أفضل الفرضيات ستتحول حقوق الأطفال إلى مساعدات هي من قبيل فتات الفتات، ويكفي في هذا الصدد الإشارة إلى مبلغ 120 مليون يورو الزهيد التي تتبجح به أوروبا وتشترط عدم صرفه إلا بعد إطلاق سراح الممرضات.
معالجة حكم القذافي لهذه الكارثة الإنسانية اتسمت –منذ البداية- بالعبث والإهمال واللامبالاة، واتسمت أيضا بالاستخفاف بمشاعر وأحزان أهالي الأطفال، كما اتسمت بمحاولات مستمرة لاستغلال هذه المأساة لخدمة أغراض وأهداف القذافي. فمنذ ان اكتشف أمر انتشار هذا المرض الخطير حاولت أجهزة الحكم التكتم والتستر على هذه الكارثة ولم تبادر إلى مواجهتها بما تقتضيه من إعطاء الأولوية المطلقة لعلاج الأطفال الضحايا واتخاذ الإجراءات الطبية والوقائية المعروفة. ثم بعد أن فشلت أجهزة الحكم في التغطية على الكارثة لجأت إلى الزعم بأن العدوى قد انتقلت إلى هؤلاء الأطفال عن طريق أمهاتهم المصابات بهذا المرض، ثم انبرى العقيد معمر القذافي بإلقاء تبعة الكارثة على "مؤامرة خارجية"، وتوقف الأمر عند ترديد هذا الاتهام لفترة من الزمن، ولم يقم لا القذافي (صاحب هذا الاتهام) ولا أجهزة حكمه بمتابعة فرضية المؤامرة، فلم نسمع بأية تحقيقات جادة لمحاولة الكشف عن الأطراف التي تقف وراء هذه المؤامرة، ولا عن الهدف التي كانت تريد تحقيقه، ولا عن علاقة البلغاريات والفلسطيني بتلك الأطراف. وأهم من ذلك لم يقل لنا لا القذافي ولا أجهزة حكمه كيف لمثل هذه المؤامرة أن تنجح وتنفذ؟ وكيف لها أن تؤدي إلى كارثة مأساوية بهذا الحجم؟ وأين هي الأجهزة المتعددة التي تحصي على المواطن الليبي أنفاسه وحركاته وسكناته؟ لم لم تستطع هذه الأجهزة أن تكتشف هذه المؤامرة وتحبطها؟. وبدلا من ذلك كله تم حصر الاتهام في الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني. فلماذا تم السكوت على تهمة المؤامرة الدولية التي أطلقها رأس الحكم في ليبيا؟ هل هناك ما يساند هذا الاتهام حقيقة؟ أم أنه أكذوبة أريد بها إخفاء معطيات أخرى والتستر على متورطين أخر؟. وفي الواقع لا ينبغي التسليم ببساطة بأن فرضية المؤامرة الدولية قد أطلقها القذافي من قبيل ما يعرف عنه من عبث وتلاعب واستخفاف واستهتار بمشاعر الليبيين وبقضاياهم. إن الأمر أبعد وأخطر من ذلك بكثير، أخطر من أن نمر مرور الكرام على لجوء القذافي إلى طرح هذه الفرضية التي تتعلق بكارثة بهذا الحجم دون أن نخضعه للمساءلة عن دوافعه وعن مبررات عدم متابعة هذا الاتهام الخطير.
الأسئلة كثيرة: لماذا لم نسمع عن تحقيقات جادة لكشف الجوانب الطبية والصيدلية لهذه الكارثة بدءا من الأمصال ومصادرها، وإجراءات استيرادها، وأحوال وظروف مستشفى الأطفال في بنغازي، وغير ذلك من المسائل التي كان يجب أن يدور حولها تحقيق ضاف تنشر نتائجه وتفاصيله.
أما أكثر الأسئلة إلحاحا فهي ما يتعلق بسماح حكم القذافي (في منتصف التسعينيات من القرن الماضي) لفريق طبي يرأسه "عالم" إيطالي متخصص في مرض نقص المناعة بالقدوم إلى ليبيا لإجراء أبحاث بغرض اكتشاف مصل لعلاج هذا المرض. معروف أنه بخلاف نشر أجهزة إعلام النظام لهذا الخبر، فإننا لم نسمع شيئا عن هذا الفريق، ولا عن أبحاثه ولا نتائجها وعلى من أجريت هذه الأبحاث. فهل لهذا الفريق أي علاقة بهذه الكارثة؟ وهل هذا ما يريد القذافي التستر عليه بإطلاق فرضية المؤامرة الدولية؟
من غير المقبول أيضا الركون إلى مشجب التسيب والإهمال وتدني مستويات العناية الطبية كمسبب وحيد لهذه الكارثة. فرضية الإهمال والتسيب لجأ إليها سيف القذافي في بعض مراحل تدخلاته في هذه القضية، وفي مساعيه لإرضاء الغرب، وهي فرضية يقول بها الأوروبيون ويجندون الخبراء لإثباتها. لكن مع التسليم بحالة التسيب والإهمال التي بلغت درجة الإجرام في مستشفى الأطفال ببنغازي، إلا أن هذه الظاهرة هي قاسم مشترك في جميع المستشفيات والمرافق الصحية في ليبيا، ومع هذا لم نسمع بكارثة مماثلة أو قريبة منها في أي مستشفى آخر، بل لم نسمع بحدوث مثل هذه الكارثة في أية دولة أخرى من الدول المتخلفة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المعلومات التي أكدتها مصادر طبية متعددة تفيد بأن التحاليل التي أجريت على الأطفال المصابين بالمرض قد أثبتت تعرض فيروسات المرض في بعض الحالات إلى "تعديلات معملية"، ما يعني أن يدا قد تدخلت لتحوير هذه الفيروسات، فمن هي الجهة التي قامت بالتدخل المعملي ولماذا؟. ومن هذه الاعتبارات فإن التسيب والإهمال ليسا سوى عاملين وسيطين لجريمة توافر فيها ركن التعمد ... تعمد حقن أطفال أبرياء بفيروسات أحد أخطر الأمراض التي عرفتها البشرية ، إن لم يكن أخطرها جميعا.
مواقف الأطراف المختلفة جميعها في غير صالح قضية الأطفال:
الحكومة البلغارية تساندها أوروبا والدول الغربية، مدعومة بالتصريحات العابثة المتناقضة التي يطلقها سيف ووالده من حين لآخر، وبتدخلاتهم وضغوطهم على أهالي الأطفال، وبمساومات حكم القذافي بالقضية، ولإدراك هذه الأطراف أن النظام سيقذف بهذه القضية –في نهاية المطاف- إلى محرقة تحسين صورته وتفادي إغضاب الأطراف الغربية، تلك الأطراف مصرة على مطالبها التي لا تنتهي عند حد إطلاق سراح الممرضات، وإنما تشمل أيضا تعويضهن ورد الاعتبار لهن، ملف تعويض الممرضات مسكوت عنه إلى حين وصولهن إلى صوفيا، أو إذا ما كانت عروض حكم القذافي بإغداق مشاريع تحتكرها بلغاريا تغطي ضمنا تعويضات مالية للممرضات تتناسب مع التعويضات الفلكية التي يدفعها القذافي لقاء سكوت الغرب عن جرائمه.
معمر القذافي يضع بقاءه في الحكم وإرضاء الغرب على رأس أولوياته، ويريد أن يحقق انتصارا ولو في صورة تسليم المقرحي إلى دولة أخرى ليقضي فيها الحكم الصادر بحقه، هذا "الأنتصار" مرهون بإرضاء الدول الغربية أولا، ثم بموافقة بريطانيا، ثم بإيجاد دولة ثالثة تقبل بهذه المهمة طويلة الأجل. عبيط من يظن بأن بريطانيا ستوافق على هذا التبادل "لوجه الله" أو حتى من أجل ممارسة مهمة ملائكية لحل المشكل القائم. بريطانيا لن تقبل إذا لم يكن لها غرض أو أغراض، وبريطانيا هي أكثر الدول التي تعرف كيف يتم اعتصار المصالح إلى آخر نقطة. فما هو الثمن المطلوب لضمان رضاء بريطانيا وموافقتها؟. أما الدولة التي ستقبل بمهمة السجان للمقرحي فهي الأخرى لن تقوم بذلك بدون ثمن قد يعرف أوله ولكن لا يعرف آخره. حكم القذافي مستعد لدفع الثمن المطلوب بما في ذلك تصفية قضية الأطفال الليبيين وإطلاق سراح الممرضات وتعويضهن مباشرة أو عن طريق دولتهن. وسنشاهد تمنع بريطانيا وتمنع بلغاريا، للحصول على مزيد من المكاسب.
الطرف الأضعف هم الأطفال المحقونين بالإيدز وأهلهم وذويهم، وهم في محنتهم لا يواجهون مرضا قاتلا فحسب، وإنما يقعون فريسة للضغوط المستمرة وللتسويف والإهمال من "حكومتهم"، ويلاحظون تمسك كل الأطراف الأجنبية بما تعده حقوقا لخمس مواطنات بلغاريات. وفي محنتهم يشاهدون كيف سخرت بلغاريا كل مؤسسات الدولة لخدمة قضية خمس مواطنات، وكيف عبأت الرأي العام البلغاري والأوروبي، وكيف حشدت لها التأييد فحولتها إلى قضية رأي عام عالمي، في حين لا يجد حكم القذافي حرجا من أن يترك هذه القضية في أيدي عابثة تستهتر بمعاناة وآلام أربعمائة وخمسين طفلا بريئا يواجهون مرضا قاتلا، وبمشاعر آلاف الأسر التي تمت إلى هؤلاء الأطفال بصلات القربى المباشرة.
الأولوية المطلقة لدى أهالي الأطفال، هي توفير العلاج لأطفالهم، وهي أولوية مشروعة لكنها لا تقع في سلم أولويات حكم القذافي الذي أهدر وقتا ثمينا في التسويف والمماطلة، وفي الزعم بأنه يبحث عمن عليه أن يدفع فاتورة علاج الأطفال، وفي مماحكات فارغة تخلى عنها فيما بعد في مضمار هذه القضية. وبعد مضي سنوات طوال منذ اكتشاف الكارثة، ما زال حكم القذافي يقدم رجلا ويؤخر أخرى في توفير علاج لأطفالنا فلذات أكبادنا، في حين يطير الطائرات ويجند الأطباء وينفق المليارات فيما أسماه "مشروع القذافي للطفل والمرأة والشباب الأفارقة".
أهالي الأطفال ومن خلفهم أهل بنغازي، وأهل ليبيا كلها لا يريدون سوى الحقيقة: من تسبب في إطفاء بسمة الحياة الواعدة، وإشراقة الأمل، من الذي تسبب في وأد براعم كانت تتفتح للحياة؟ ومن أحال حنو الآباء والأمهات وفرحهم إلى حسرة وحزن وألم؟ كل ما يريده هؤلاء هو الحقيقة فقط. ..... الحقيقة بعيدا عن الأراجيف والأكاذيب ....
كل ما يريده هؤلاء ومعهم الشعب الليبي هو الإنصاف. إنصافهم ممن تسبب في هذه الكارثة المأساوية. إنصاف لا تعادله أموال الدنيا. يريدون الرعاية الصحية لأطفالهم والعناية بأمهاتهم، ومواساتهم في محنتهم، وتعزيتهم في مصابهم. كانوا يريدون موقفا مؤازرا من "حكامهم"... ولكن كيف لهم هذا وهؤلاء الحكام غارقون إلى آذانهم في المسؤولية عن الكارثة التي حاقت بهم وبأبنائهم ... كيف لهم ذلك وهؤلاء الحكام لم يراعوا في شعب ليبيا إلا ولا ذمة ... كيف لهم أن يلقوا الإنصاف وحكامهم منشغلين في البحث عن صفقات ومساومات قذرة رخيصة، لقاء أن يتجاوز حكم القذافي أزمته، ويستر جريمته، وينكر دوره ومسؤوليته.
فلكم الله يا أطفال بنغازي .. لكم الله .. ونعم بالله.
[2] لنا أن نتصور كيف ستستغل بلغاريا –إن وافقت- هذا البند، وهل سيكون لجشعها حد مع انعدام المنافسة وتوفر الاحتكار، ثم كيف ستكون جودة التنفيذ، وكيف ستكون الرقابة الليبية على تنفيذ هذه المشاريع. إنه باب آخر يفتح لإلحاق مزيد من التدهور في الخدمات الصحية، وهو باب آخر يعطي وضعا سياديا لبلغاريا في هذا الجانب على الأقل.
[3] معروف أن نظام القذافي يخشى من أن حالة الإحباط التي يمر بها المقرحي في سجنه قد تدفعه لأن يفصح عن بعض الأسرار التي يخشى معمر القذافي –شخصيا- من إفشائها.