بقلم: سليم نصر الرقعي
كانت بدايات الثمانينات أشد السنين سوءا ً التي مرت على الشعب الليبي في عهد العقيد معمر القذافي .. وكل من عاش تلك المرحلة البيئسة يفهم ما أقول وما أعني ! .. فقد إزداد النظام حينها عتوا ً وطغيانا ً وشراسة ً وأصبح كالكلب المسعور ينبح وينهش هنا وهناك ويعض هذا وذاك بشكل فاق كل حد وتصور(!؟) بل وأعلن بدء عمليات التصفية الجسديه والسحق والمحق والشنق لكل من يعارض الثورة وقائد الثورة بلا رحمه ولا محاكمه ! .. وبدأ القذافي يومها بمصادرة أملاك الليبيين وتأميم التجاره وعسكرة الحياة المدنيه - راجع خطاباته وسياساته في تلك المرحلة - بل ونصب المشانق وسط الجامعات وبدء مسلسل الإغتيالات في الخارج بشكل علني ! .. لقد بدأ القذافي أولا ً بممارسة العنف والإرهاب والتقتيل والتنكيل والتمثيل بجثث أبناء ليبيا مما أدي – بالضرورة - إلى توليد مشاعر الخوف لدى عموم الشعب الليبي من جهة .. ومن جهة أخرى أدت تلك التصرفات العدوانية والوحشية إلى إيقاد شرارة الغضب في نفوس أحرار ليبيا !.. ولكل فعل رد فعل .. والعنف يولد العنف ولابد ! .
لقد تلبدت سماء ليبيا يومها بغيوم ونذر الإرهاب والرعب والديكتاتوريه المطلقه .... وأطلق القذافي كلاب اللجان الثوريه المسعورة في الداخل والخارج تلاحق كل من تشتم منه رائحة الرفض والمعارضه بل وأحيانا لتقتل حتى الأبرياء من الناس العاديين لمجرد الشبهة والشك ومن أجل خلق حالة من الرعب والخوف في الكيان الإجتماعي ككل إتباعا ً لتوجيهات القذافي ومقولاته الخالدة حينها والتي قال فيها بالحرف الواحد في خطاب رسمي مسجل : (في بعض الأحيان نعدم حتى الأبرياء لإرهاب الجاني الحقيقي الذي قد لايكون معلوما ً لدينا في تلك اللحظه )( ففي كل ثورة لابد من وجود ضحايا ) !!؟ .
كانت البلاد – إذن - تهوي إلى قاع الإرهاب الشمولي ... والشعب كان يعيش في جحيم الرعب والإذلال المتعمد ويئن تحت سياط الحكم الشمولي المستبد الأثيم ! .. وفي تلك الظروف البائسة والرهيبة من تاريخ شعبنا الليبي وفي عام 1984 قررت ثلة من خيرة شباب ورجال ليبيا من المنتسبين للجبهة الوطنيه لإنقاذ ليبيا خوض غمار المعركه ومهاجمة الطاغية في عقر داره - على الرغم من عدم تكافؤ موازين القوى - ولكن نداء الواجب ونداء الضمير ونداء الوطن ونداء المستضعفين طغى في نفوسهم الأبية على كل صوت آخر بما فيه صوت الحياة والبحث عن السلامة والأمان وصوت طموحاتهم الشخصية ! .. ومن ثم قرر هؤلاء الشباب الليبيون الأحرار – وهم من خيرة شباب ليبيا لكل من عرفهم عن قرب - أن ينفذوا هذه المحاولة الفدائية من أجل تخليص شعبهم من هذا الطاغوت المستبد الذي لم يرعَ في الليبيين إلا ً ولا ذمة ! ... لم يكن يومها من خيار آخر ! .... وفي يوم ( 6 مايو ) من عام 1984 كان الشهيد البطل أحمد حواس منطلقا ً شرقا ً نحو طرابلس بعد أن تمكن من إختراق الحدود قاصدا ً الإلتحاق بمجموعة (بدر) الفدائيه المتربصه هناك في مبنى (العمارة) القريبة من مقر القذافي ليقود عملية محاولة الإنقاذ ولكن كانت الأقدار قد جرت على غير المشتهى .. وقدر الله وماشاء فعل .. ولله الأمر من قبل ومن بعد وله الخيرة والحكمة البالغه ... فقد تم إكتشاف أمر الشهيد (حواس) قبل وصوله إلى مجموعته في طرابلس ... وحاصرته عناصر مخابرات وأمن الطاغية الدجال وطلبت منه الإستسلام ولكنه قرر متوكلا ً على الله أن لا يعطي الدنية في دينه ووطنه وأن يواجه هذا الأمر الطارئ بكل شجاعة وإحتساب ..... لم يـُدر لهم ظهره ... ولا لان ولا هان ... بل مضى إلى ربه شهيدا ً كما أراد وتمنى دائما ً وقد روت دمائه الطاهره الزكيه تراب الوطن الغالي وكذلك فعل معظم شباب مجموعة (بدر الفدائية) بعد ذلك بيومين أي في اليوم الثامن من (مايو) حيث تمكنوا من إقتحام بوابة معسكر باب العزيزية ولكن القذافي كان قد فر ! .. وسيكتب تاريخ ليبيا حتما ً هذا العمل الفدائي الإستشهادي المجيد بخطوط من نور في صفحات الشرف والفداء .. قال تعالى :
\(( من المؤمنين رجال صدقوا ماعهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديلا )) صدق الله العظيم
سليم نصر الرقعي
8 مايو 2008