الوطن المهاجر..  
العودة إلى المقالات

الوطن المهاجر..

 

من منشورات الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا

 
بقلم: يوسف سعيد
سلام عليك " خالي " يوسف..الشهيد يوسف خربيش
سلام على رفاقك من الشهداء..
سلام على من وافته المنية بديار الغربة لينعم بصحبته رفاقه الأبرار..
       سلام على أرض الكنانة ، سلام على ربى أبي رواش، سلام على التاريخ، وعلى الصحائف البيض، على الفداء، على نسائم العزة والفخر .. سلام على العبق.. على صهيل الجياد .. زغاريد النساء .. اهازيج الصبايا.
 
       سلام على الخيام الرابضة في بطون الوديان.. على تسابيح الإخوان.. على الحناجر وهي تلهج بالتكبير.
 
       سلام على السواعد .. على البنادق.. على الجباه السمر.. على الإيمان ينبض في القلوب على الأمانة في الاعناق.. على الدموع خاشعة تترقرق في العيون.. على الأشواق تضطرم كاللهيب في الاكباد...
 
        سلام على الدرب .. على الزاد .. على العرق .. على رائحة المسك على النصب الشاهد على تأسيس الجيش السنوسي..
 
       سلام على النخيل الباسقات.. على شجيرات الصبار .. على كثبان الرمل.. على آيات الذكر.. على التواريخ المحفورة فوق جبين الدهر .. على الشواهد التى تشهد على أن من سجّى تحت ذلك الثرى قد هاجر.. وجاهد.. واستشهد.
 
خالي يوسف
       معذرة فأنا لم أقصر.. ولم تقصنى عن زيارتك الدنيا. ولكنها مشيئته وقد شاء.. وهل لمشيئته تبديل. فالعهد هو العهد.. والرفاق هم الرفاق.. والقلوب هي القلوب.. والدرب هو الدرب.. والاشواك كما عهدتها هي الأشواك . وبصيص الأمل يبرق كالشمعة وسط الأنواء ولهيب الشوق لا يطفئه إلا لهيب الشوق. ونحن نزداد ضمأ، وصقيع المهجر ينخر منا العظام. والعمر تسرقه منا الايام، ونزداد إباء كلما تقدم العمر، ورغم الغدر.. نحو القدر إن أزفت ساعته سنكون إلا لم تكن بقايانا هي الاسباب.
 
أيا أعز الرجال..
       إن خانني الحرف فعذري أننى أكتب إليك ولا اكتب عنك، فبالأمس سألني أحد الرفاق عن الكتابة عنك في ذكراك نظرا لما يربطني بك وما أعرفه عنك وما عشته وعايشته معك . منذ أن غادرت الوطن ذات مساء.. وغربت مع غروب شمسه.. وكانت لك تلك الوقفة على مشارفه الغربية .. بعد أن قمت بدفن بندقيتك .. وقطفت إكليلا من بعض شجيرات الشيح والزعتر.. وجمعت حزمة من الغزير وعيدان الرتم لتوقد نارك .. وقمر الوطن يطل عليك بإستحياء.. وريح شرقية تحمل نسماتها إليك أنفاس كل الأهل والأحباب بعد أن مزجتها برائحة أزهار الحناء والليمون والبطوم ورائحة أغصان بعض الشجيرات البرية التى تغطي وديان الوطن وهضابه.. لتختلط برائحة فنجان قهوتك الذي كنت تعشقه .. وقد سرى الخدر في أوصال الوطن على امتداد الأفق الذي كان يزداد اتساعا كلما كنت تزداد عنه بعدا. وأنت تحمل من الزاد القليل. حتى جمعنا الشتات ذات يوم في إحدى عواصم الدنيا.. وكان اللقاء .. وكنت كما عهدتك منذ زمن بعيد . ودوداً باشا باسما.. وكتبت لي وللرفاق الأقدار معك في الغربة رحلة كنت فيها الربان والمنارة والشاطئ. نلتف حولك كل مساء. وانت ترحل تجول بنا الدنيا وقد شدنا سحر غريب اليك فأسلمنا لك العنان .
 
أيا نعم الرفاق
       لقد كنت تختصر لنا الوطن تاريخا.. وتجسده لنا ترابا. فهذا المختار على جواده.. وذاكم الباروني على منبره.. وتلك موقعة وقد حمى بها الوطيس.. وهذه رحلة صيد على مشارف الكفرة.. وشاعر لم نسمع عنه يردد ابيات شعر.. وأنت هناك تزرع شجرة تين وترقب غيمة ، وريح وشجر زهر، وجمل أزرق ، وطفل يحبو.. وأم تحنو.. ورائحة خبز التنور تفوح.. عنزة تتسلق صخرة وخراف تغثو وفارس على جواد أبيض يقصد خيمة شعر.. وطفل يحمل لوحة وقد تدلت على صدره قلادة بها حجاب صغير ، وقرن غزال.. وفي الأفق سرب قطا وصقر وأرنب بري يستجير بسدرة ، ونسمة بحرية تداعب جدائل طفلة وقفت على الشاطئ تراقب موجة صيفية كسلى، والشمس تغوص في أعماق البحر، وتغرق عروس البحر في الأنوار لتغفو.
 
أيا وطنا يحمل التاريخ على اكتافه
 
       هل تهاجر الاوطان ؟ ما اشد ما كنا نعجب من سعة اطلاعك.. وسرعة بديهتك.. وصدق فراستك، أيها الفارس رغم توضعك وبساطتك.. لهذا فمعذرة فأنا لا أكتب عنك ولكنني أكتب اليك، فما الذي سيكتبه المريد عن شيخه؟ والجندي عن قائده، والتلميذ عن معلمه، والابن عن أبيه والمواطن عن وطنه..
 
       أجل لقد كنت لنا الشيخ والقائد والمعلم والأب والوطن.. وأضحيت لنا بعد رحيلك الرمز والمعلم والمثال والقدوة .
 
       فسلام لك .. وعليك.. وإليك..أيها الفارس الذي علمنا كيف نحب الوطن وكيف نهاجر منه إليه.
 


Posted on Thursday, June 26, 2008

العودة إلى المقالات    

الصفحة الرئيسية | من نحن | مقالات | أخبار و تعليقات | ملفات خاصة | البيانات والتصريحات | مجلة الإنقاذ | صوتيات و مرئيات | بريد الإنقاذ | حوارات | كاريكاتير | بحث | إتصل بنا | مواقع ليبية | تعازي
© Copyright 2007 by NFSL
This site is optimized for Netscape 4.0 and Internet Explorer 5.0 or higher. Please download an updated version.